الصفحة 276 من 301

وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )) الحج 40. يتبين أَنَّ إِخراج المسلمين من ديارهم قد حصل تحت وطأة قوّة خصومهم. ووَعْدُ الله المسلمين بالنصر ناتج عن قوته التي لا تُضاهيها قوّة، فهذه المعاني تطلبت تقديم القوّة على العزّة؛ لاسيما السياق يتحدث عن القوة، وبقدر ما في هذه المعاني من طمأنة للمؤمنين فيها تخويف وتحذير لأَعدائهم وذلك بطريق إثبات القوة لله.

أما في الموضع الثاني فقال تعالى: (( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) )الأَحزاب 25. فالله سبحانه حين يكفي المؤمنين القتال إِنما يكون ذلك بقوته التي تعلو على كلِّ ما أُعِدَّ للقتال، وعز عن انتقامه لمن جاء لقتال المؤمنين.

ومن التقديم والتأخير ما ورد في بيان حال من لم يتذكّر آيات الله إِذا ما ذُكِّرَ بها، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) )الفرقان 73. أشار بعضُ المفسرين الى أَنَّ الآية المباركة فيها مبالغة في الوعيد لكنهم لم يوضحوا موضع تلك المبالغة وسببها [1] . أمَّا الزركشي فقد بين موضع المبالغة في الوعيد وهو تقديم الصم على العمي معللًا رؤياه في المبالغة بقوله: (( لأَنَّ السمع أفضل ) ) [2] . أمَّا الدكتور السامرائي فلم يكتف بهذا التعليل بل ذهب يوضح دلالة التقديم بقوله: (( والظاهرُ أَنَّ السمع بالنسبة الى تلقّي الرسالة أَفضل من البصر، ففاقدُ البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإِنَّ مهمة الرسل التلبيغ عن الله، والأَعمى يمكن تبليغه بها ويتيسر استيعابه لها كالبصير غير أَنَّ فاقد السمع لايمكن تبليغهُ بسهولة، فالأصمُّ أنأى عن الفهم من الأَعمى، ولذا كان من العميان علماء كبار بخلاف الصم؛ فلكون متعلّق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى ) ) [3] وبهذه المعاني والدلالات يكون الوعيد الذي ينتظر من لم يتذكر آيات الله فيه من الهول والشدة مما لايخفى على أحد؛ لاسيما أنَّ الوعيد تركزّ على الحاسة الاكثر أَهمية ثم ينتقل الى ما بعدها.

(1) ينظر: روح المعاني 19/ 52، الميزان في تفسير القرآن 15/ 244.

(2) البرهان في علوم القرآن 3/ 254.

(3) التعبير القرآني 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت