الصفحة 275 من 301

أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي ( ... ) بل هو لقصد الاختصاص نظير قوله: (( اليه مرجعُكم ) )يونس 4، وقوله: (( واليه يرجع الأَمر كله ) )هود 123، وقوله: (( كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) )الانبياء 93 [1] . فتقديم الجار والمجرور في الآيات السابقة أفاد دلالة الاختصاص بالأمر المذكور، قال الآلوسي في معرض تفسيره لقوله تعالى: (( اليه مرجعكم ) )يونس 4: (( الجار والمجرور خبرُ مقدّم، ومرجعُكم مبتدأ مؤخّر، والمعنى: إِليه تعالى رجوعُكم مجتمعين لا إلى غيره سبحانه ) ) [2] . فدلالة الاختصاص تُرهب العصاة بأَنَّ من عصوه لا محالة رجوعهم اليه لمعاقبتهم على عصيانهم، كما أَنَّ منكري البعث إِذا وعوا هذه الدلالة خافوا وحذروا وتراجعوا عن انكارهم.

وليس بمنأى عن التقديم والتأخير لكن في تقديم الأَلفاظ بعضها على بعض قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) )الحج 40، وقال تعالى: (( وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) )الأَحزاب 25. وأنت تلاحظ الآيتين الكريمتين قدّمت القوّة على العزّة؛ لدلالة ما تتبين من متابعة بعض ما قيل في هذا المعنى. قال الطوسي: (( أَي: قادرُ، قاهرُ لاينالُ أحدُ منه ما لايُريده ) ) [3] . وفي موضع ثانٍ قال: (( أَي: قادر لا يُغالب، وعزيز لايُقهر؛ لأَنّه قوىُّ في سعة مقدوره، عزيز في انتقامه ) ) [4] . يتبين مما ذهب اليه الطوسي أنّ تقديم القوة على العزة؛ لأَنَّ الله سبحانه قويُ ولما كان قويًا عزَّ، فالعزَّةُ ترتبت على القوّة. وهذا ماراه الدكتور السامرائي في الآيتين محل البحث فقد قال: (( تقديمُ القوّة على العزّة؛ لأَنه قوي فعَزَّ، أي غلب، فالقوّة أَول ) ) [5] . لو تدبرت الآية المباركة التي قُدّمت فيها القوّة على العزة تلاحظ قوله تعالى: (( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ

(1) التعبير القرآني للدكتور فاضل السامرائي، جامعة بغداد، بيت الحكمة، 1986 - 1987: 49.

(2) روح المعاني 11/ 66، وينظر: المصدر نفسه 17/ 90 و 2/ 167.

(3) التبيان في تفسير القرآن 17/ 321.

(4) المصدرُ نفسهُ 21/ 331، ينظر: تفسير القرآن العظيم 3/ 459، روح المعاني 17/ 164.

(5) التعبير القرآني 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت