الاختصاص أي إِنَّ الكافرين (( مختصون بالشخوص دون غيرهم من سائر أهل المحشر ) ) [1] . ودلالة الاختصاص التي أفادها التقديم لم تخلُ من الدلالة فقد دلّت على أَن المذكورين في حالة ذهول ودهشة كما يوضّح الاختصاص مدى الرعب الذي يملأَ نفوسهم في ذلك اليوم فتكون الأَبصار شاخصة فقط مليئةً بالرعب من الهول الذي تراه [2] . ومن التقديم والتأخير الذي أَفاد دلالة الاختصاص قولُه تعالى: (( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) )الحاقة 30 - 34.
إذا أنعمت النظر في الآية الكريمة تُلاحظ تقديم الجار والمجرور في قولهِ: (( في سلسلة ) )على قوله: (( فاسلكوه ) )ولم يُك هذا التقديم مجردًا من دلالة السياق القرآني بل لإفادةٍ عمد القرآن اليها. ففي تقديم لفظة السلسلة على السلك تعظيم لهذا العذاب. وكأَنّه قال: لا تسلكوه الا في هذه السلسلة، فهي أَشدُّ إرهاقًا وأَقسى معاناةً من سائر مواضع الإِرهاق في الجحيم [3] . وبهذا تلاحظ العذاب الذي ينالُه من لا يؤمن بالله له بُعْدُ تصويري أفاده التقديم والتأخير الدال على الاختصاص، (( فالتقديم هنا جعل من الجحيم والسلسلة مختصّين بهذا الكافر فلن يفلت منهما أبدًا، وفي هذا التخصيص ما فيه من الترهيب من ذلك اليوم ) ) [4] . ومن تقديم الجار والمجرور لدلالة الاختصاص قولُه تعالى: (( إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ) )القيامة 30. وأنت تلاحظ تقديم الخبر وهو قوله: (( الى ربك ) )على المبتدأ وهو قولُه: (( المساق ) )لإِفادة الاختصاص بأَنَّ المساق لا يكون الا لله تعالى. قال الآلوسي: (( أَي: إِلى الله تعالى وحكمهِ سوقه لا إِلى غيره، وتقديم الخبر للحصر ) ) [5] . والى مثل هذا ذهب الدكتور فاضل السامرائي فقد قال: (( فالمساقُ الى الله وحده لا الى ذات أُخرى، وهذا ليس من التقديم من
(1) كتاب الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإِعجاز، ليحيى بن حمزة العلوي، مطبعة المقتطف، مصر 1914م: 2/ 69.
(2) ينظر: من بلاغة القرآن 113.
(3) ينظر: الكشاف 4/ 605.
(4) الترغيب والترهيب في القرآن 116.
(5) روح المعاني 29/ 148.