الصفحة 273 من 301

عزّ وجل أولى بهذا من غيره. ومن دلالة الاستفهام على النفي في سياق التحذير قولُه تعالى: (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) )الزمر 9. وأنت تلاحظ ظاهر الآية الكريمة يستفهم عن منزلة من يحذر الآخرة وعن من لم يكن كذلك، فهل هما متساويان؟ إلاَّ أن الاستفهام لم يكن

بهذا المعنى، إذ أُريد منه نفي تلك المساواة فلا وجه للشبه بين من يحذر الآخرة وبين سواه [1] .

وليس هذا الا انموذجًا يسيرًا من خروج الاستفهام من دلالته الأَصلية الى دلالة تفهم من السياق القرآني لاسيما في سياق التحذير.

التقديم والتأخير

حرص العرب على أُسلوب التقديم والتأخير في كلامهم واعتمدوه كثيرًا ليظهروا عنايتهم بما قدَّموه وإن كان حقّه التأخير ويكشف ذلك عن تمكنهم من اللغة وحسن تصرفهم في الكلام وما دام القرآن جاريًا على سُنن كلام العرب فقد اعتمد هذا الأُسلوب كثيرًا ليدعوا من خلاله القارئ والمتلقّي والمتتبع للتنزيل العزيز إلى التأمّل والبحث في استجلاء الدلالة التي أُريد من التقديم والتأخير إفادتها. وفي هذا الموضع من البحث لنقف سويةً عند بعض مواضع التحذير في الذكر الحكيم التي اعتمدت التقديم والتأخير في سياق التحذير. قال تعالى: (( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) )الانبياء 97. مما لايخفى عليك أَنَّ الآية المباركة توضح ندم الكافرين وتحسرهم على ما فرّطوا به. إِذا أنعمت النظر في قوله تعالى: (( شاخصة ) )تلاحظ أَنه قُدِّم على قوله: (( أبصار اللذين كفروا ) ). وقد أفاد هذا التقديم دلالة

(1) ينظر: ص ... من الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت