الصفحة 272 من 301

كان إنذاري )) [1] . ولم ينأ النحاس عن سابقه إذ ذهب الى مثل ما ذهب اليه، فقد قال: (( فكيف كان عقابي لمن كفر بي، وتحذيري من الوقوع في مثل هذا ) ) [2] .

وهكذا تلاحظ أُسلوب الاستفهام يستدعي منك التأمّل للوصول الى الغاية منه وهي التحذير من خلال اضفاء دلالة التهويل والتعظيم والترهيب على الموقف وهذه المعاني بدورها تزيد في متلقيها الاستعداد على مفارقة ما يُغضب الله، وذلك هو الحذر بعينه.

قد يخرج الاستفهام من معناه الحقيقي ليُدلَّ على معنى ثان تفهمه من السياق الذي ورد فيه، وما دام سياق التحذير والوعيد محل بحثنا فلنتأمل الاستفهام الذي أُخرج من معناه الحقيقي لدلالة أُخرى في سياق التحذير.

قال تعالى: (( انما يريدُ الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون ) )المائدة 91. لا يخفى عليك ما في الآية من تقرير عداوة الشيطان لبني آدم ومحاولاته لإِيقاع التفرقة بين العباد وحثّهم على الموبقات، تُبِعَ ذلك المعنى بقوله: (( فهل انتم منتهون ) )فظاهرهُ استفهام ودلالته أمر بالانتهاء عما حُذِّر القوم منه، وجاء ذلك المعنى بإسلوب وصفه المفسرون بأنّه غاية في المنع التحذير [3] . والأُسلوب ذاته والدلالة ذاتها تطالعك في قوله تعالى: (( وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) )القمر 15. فقد أفاد الاستفهام الأَمر الذي يُفيد الترهيب والزجر، فليس المقصود طلب جواب: هل هناك مدكر [4] ؟ بل قُصِدَ الأَمر بالتذكر بالقرآن الكريم بعد إثبات صحّة الإِنذار وشدة العقاب الذي أَنذر به.

ومن دلالة الاستفهام على النهي في سياق التحذير قولُه تعالى: (( اتخشوهم فالله أَحقُّ ان تخشوه ) )التوبة 13. فليس المراد في الآية الكريمة الاستفهام عن خشية غير الله فذلك لا يُستَفْهَم عنه فإِنه مرفوضُ أصلًا؛ لذا دلَّ الاستفهام على النهي، أي: لاتخشَ غيرَ الله؛ لأَنَّه

(1) معاني القرآن 3/ 105، ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 1192.

(2) اعراب القرآن 3/ 287.

(3) ينظر: ص ... من الرسالة.

(4) ينظر: التفسير الكبير 19/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت