الصفحة 271 من 301

مَنْ أُنذر، قال الزمخشري في الآية محل البحث: (( هذا تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله من مثله وتسلية له ) ) [1] . أما الفخر الرازي فقد ظلَّ في المعنى ذاته إذ قال: (( وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إِذا جرت على سبيل الحكاية عمّن تقدّم كان أَبلغ من الوعيد المبتدأ، وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الانبياء عليهم السلام ) ) [2] . من هذا يتبين أَنَّ الرازي أَفاد أَنَّ الاستفهام عن حال الماضين أَشدُّ تحذيرًا وترهيبًا من ذكر الحال صريحًا؛ لما يدعوه الأَوّل الى التأمل والاستدلال. ومن هذا المعنى يطالعك قولُه تعالى: (( وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ) )الصافات 71 - 73. الآية المباركة استفهمت عن العاقبة ولم تلحظ في تلك الآيات، أيّ عاقبة كانت؟ إذ أرادت من السامع والقارئ التدبر والوصول الى ذلك. قال الزمخشري: (( الذين حُذِّروا، أي أُهلكوا جميعًا ) ) [3] فالمفسر استنتج العاقبة من السياق الذي أضفى الاستفهام عليه دلالة الهلاك. وقد تابع عددُ من المفسرين سابقهم في إِفادة المعنى ذاته، ومن المفسرين الآلوسي فقد ققال: (( وسيق الكلام لتهويل ما جرى عليهم، وتحذير من كذّب بالرسول(- صلى الله عليه وسلم -) والتسلية له، والمرادُ العبرة مما أَخبر الله تعالى به )) [4] .

إِذا انعمت النظر في سورة القمر تلاحظ الاستفهام عما حلَّ بمن أُنْذِر سلفًا يتجلّى بأبهى صورة، إِذ تلاحظ تكرار قوله تعالى: (( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) )16 وفي الآية21 وفي الآية30 ليبيّن ما حلَّ بمن لم يتعظ بالإنذار، وقد جاء أُسلوب الاستفهام داعيًا للتأمّل في تلك الدلالة، والنذر الإنذار حسب قول الفرّاء إذ قال: (( النُذُر هاهنا مصدر، فكيف

(1) الكشاف ط بيروت 2/ 347.

(2) التفسير الكبير 16/ 139.

(3) الكشاف ط بيروت 4/ 47.

(4) روح المعاني 11/ 160، 23/ 97، ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 8/ 447، الجامع لأحكام القرآن 18/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت