صاحب الميزان، فقد قال: (( والأَمرُ بالانذار خصوص الذين يخافون لا يُنافي عموم الإِنذار لهم ولغيرهم، ولمّا كان خوفُ الحشر إلى الله معينًا لنفوسهم على القبول، ومقرّبًا للدعوة إلى إفهامهم أفاد تخصيص الأَمر بالإِنذار لهم، ووصفهم بهذا الوصف تأكيدًا لدعوتهم وتحريضًا له أَنَّ لا يسامح في أَمرهم ) ) [1] . من هذا يتبيّن أَنَّ الإنذار عامُ مطلقُ. ولما اختص بقوم معينين كانت دلالته اكثر تأثيرًا، فمن خاف الحشر وآمن يُنذر من ذلك اليوم الموعود، فكيف من لا يخافه؟ بطبيعة الحال ينبغي أَن يكون الإِنذار الموجّه لمن لا يخاف الحشر أَكثر قوّةً وتأثيرًا ووقعًا في النفس. إِذا أَعدت النظر في الآية الكريمة وما تلاها من بيان لها تلاحظ المُنْذِرِ في الآية الكريمة هو الرسول الأعظم (( - صلى الله عليه وسلم -) ، والمُنْذَرين هم (الذين يخافون أن يحشروا) ، وهذان ركنان من أَركان الإِنذار أَمّا الركنُ الثالث وهو المُنْذَرُ منه فلم تجد ذكرًا له في الآية وأَنت تعلم أَنَّ الفعل (أَنْذِرْ) متعدٍ إِلى مفعولين استوفى أحدهما وهو قوله تعالى: (( الذين يخافون أَن يُحشروا ) )أمّا المفعولُ الثاني فلم يُصرّح به. لقد أَوضح بهاء الدين الآلوسي في معرض تفسيره للآية المفعولَ الثاني الذي أُضْمِر فقد ذكر (( المفعول الثاني لَ(اِنذر) أمَّا العذاب الأُخروي المدلول عليه بما في حيّز الصلة، أو مُطلق العذاب الذي ورد به الوعيد )) [2] . من هذا يتبين أَن المُنْذَرَ منه عذاب يوم الحشر الذي سيصيب من لا يتعظ بالإنذار، أو مطلق العذاب كالعذاب الدنيوي والأُخروي معًا. وبهذا فإنَّ الحذف فيه الدلالة على الايحاء بشدة التحذير مما لا يخفى فالمُحَذَّرُ عليه اتقاء أسباب العذاب الدنيوي والأُخروي معًا. وفي موضع ثانٍ من الذكر الحكيم يأتي الأَمر بالانذار وذلك في قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) )ابراهيم / 44. تلاحظ الآية المباركة اُفْتِتحت بفعل الأَمر (أنذر) وهذا الأمر وُجّه من الله سبحانه الى النبي الأَكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) . قال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) : (( أَمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه (( - صلى الله عليه وسلم -) أَن يقول للناس على وجه
(1) الميزان في تفسير القرآن 7/ 98.
(2) روح المعاني 7/ 158.