في بيانهم لهذا الجزء من الآية الى أن الضمير راجع الى العذاب او الى الانذار [1] . فالنبي (( - صلى الله عليه وسلم -) أُمِرَ أن ينذر من العذاب الذي ينتظرُ الناس في يوم القيامة، أَو ينذر من مخالفة الإِنذارات التي سلفت. أَمَّا الفخر الرازي (ت 606 هـ) فقد رأى غير ما رآه سالفه إِذ عَدَّ الضمير في قوله تعالى: (به) راجعًا الى (( القرآنُ، أو الله، والأَوّل أولى؛ لأَنَّ الإِنذار والتخويف إنمّا يقعُ بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى ) ) [2] . وعلى تباين الآراء في معنى الشيء الذي يكون وسيلة الإِنذار يبقى المُنْذَرون لا خلاف في تحديدهم في الآية الكريمة. وهم الذين قال تعالى فيهم: (( الذين يخافون أَن يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه من ولي ولا شفيع ) ). وأنت تلاحظ الآية الكريمة اقتصرت دلالة إنذارها على القوم المذكورين لا على سواهم وهذا الجانب اتفق عليه المفسرون، إذ ذكروا أَنَّ الإِنذار خُصِصَ لهؤلاء لأَنهم المنتفعون به، وذِكرُ المنتفع به أَولى من غيره. وهذا ما يتضح من قول الآلوسي في الآية محل البحث: (( إِنَّ من الكفرة من لا يتّعظ ولا يتأَثّر، وقد التحق بالأَموات وانتظم في سلك الجمادات فما ينجع فيه دواءُ الإنذار، ولا تُفيدُه العظة والتذكار، إذ يُنْذَرُ مَنْ يُتوقّع في الجملة منهم الانتفاع، ويُرجى منهم القبول والسماع، وهو المراد بقوله: (( الذين يخافون أَن يُحشروا ) ). فالمرادُ من الموصول المجوزون للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأَصله كأهل الكتاب وبعض المعترفين. كما قيل: إِنَّ المرادَ بالموصول المؤمنون، الا أَنَّهم قُيدّوا بالمفرطين؛ لأَنَّه المناسبُ للإنذار ورجاء التقوى )) [3] . من هذا تتبيّن الدلالة في اختصاص الانذار بالقوم المذكورين، وجاء هذا الاختصاص بإسلوب الدلالة اللفظية التي أشارت اليه الآية المباركة، فهل يعني من حيث الدلالة المعنوية أَنَّ الإنذار لهؤلاء المذكورين ولا يعمّ سواهم؟ نتعرّف على جواب هذا السؤال من قراءتنا لما أورده السيد
(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 7/ 153، مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 35، 6/ 430.
(2) التفسير الكبير 12/ 232، ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 305، الجامع لأَحكام القرآن 6/ 430 - 431.
(3) روح المعاني 7/ 157 - 158، ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 5/ 1430، الكشّاف 2/ 26، الجامع لأَحكام القرآن 6/ 430 - 431.