قوله: (( وتنذر يوم الجمع ) )تبقى دلالة السياق واحدة؛ لأَن الدلالتين (العموم والتأكيد) تفيدان التخويف وتزيدان الموقف هولًا. وقد ذهب الشيخ الطوسي من قبلُ إِلى أَنَّ قوله تعالى: (( وتنذر يوم الجمع ) )، أَي: تخوّفهم يوم الجمع، وهذا الإِنذار والتخويف إِنما يكون في الدنيا لا في الآخرة؛ لعدم فائدته في اليوم الآخر؛ لأَنَّ الأَمر قد قُضي، وحسب هذا الرأي يكون انتصاب (يوم) على أنه مفعولُ ثانٍ لـ (ينذر) وليس ظرفًا [1] . وقد رأى الآلوسي (ت 1270 هـ) قوله تعالى: (( تنذرهم يوم الجمع ) )لا يخلو من الحذف، إِذ أَنَّ التخويف يكون من عذاب ذلك اليوم وليس من اليوم ذاته، فقد قال: (( والإِنذارُ يتعدّى الى مفعولين وقد يستعملُ ثانيهما بالباء، وقد حُذِف ههنا ثاني مفعولي الأَوّل وهو(يوم الجمع) والمرادُ به عذابُه، وأَولُ مفعولي الثاني وهو أُم القرى ومن حولها، فقد حذف من الأَول ما أَثبت في الثاني، ومن الثاني ما أَثبت في الأَوّل وذلك من الاحتباك )) [2] . فحذفُ من الأَول ما أُثبت في الثاني، وحذف من الثاني ما أُثبت في الأول يفيد الدلالة على عظم الأَمر المُحَذّر منه؛ لما جاء في إسلوب يستدعي التأمل فيه.
أَما مواضع الذكر الحكيم التي تُنْذِر وتُحِّذر من يوم القيامة بصيغة فعل الأَمر، إذ أُمر النبي الأَكرم (ص) أن يُحذِّرَ قومه من ذلك اليوم. قولُه تعالى: (( وانذر به الذين يخافون ان يُحشروا إِلى ربهم ليس لهم من دونه وليُّ ولا شفيع لعلهم يتقون ) )الأَنعام/51. هذه الآية المباركة أُولُ ما ورد في الذكر الحكيم تحمل فعل الأَمر (أنذر) وقد جاء فيها المنذر منه يوم الحساب. أَفاد العديد من المفسرين في الآية محل البحث أَنَّ قوله تعالى: (أَنذرْ) بمعنى (حَذِّرْ) ، والخطابُ فيه موجّه الى النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) [3] . فدلالةُ الأَمر في الآية الكريمة تخويف وتحذير حسبما يفيده معنى الفعل ولمن وجّه اليه الخطاب. وبعد أن أَمر تعالى نبيه (( - صلى الله عليه وسلم -) بالإِنذار ذكر الوسيلة التي ينذر بها وهو الضمير في قوله (به) . أشار عدد من المفسرين
(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 25/ 145.
(2) روح المعاني 15/ 13، وينظر: التفسير الكبير 27/ 148.
(3) ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 7/ 200، التبيان في تفسير القرآن 7/ 153، تفسير المراغي 28/ 124.