التخويف لهم من عِقابهِ، ويُحذّرهم يوم يجيئهم العذاب من الله )) [1] . من هذا القول تتبيّن لك دلالة فعل الأَمر التي أَفادت التحذير والتخويف، وهذه الدلالةُ تشترك مع سابقتها التي تصدّرت الآية / 51 من سورة الأَنعام التي سبق بيانُها. إِذا أَعدت النظر في الآية الكريمة محل البحث تلاحظ الإِنذار وُجِّه إِلى الناس، وعلى هذا يكون الناس هم المُنْذَرُون في الآية الكريمة، ثم يأتي تخصيص القول بالذين ظلموا، فالأَول (الناس) عامُ مطلق، والثاني مقيدّ، وهذا يُوضّح ما أَرادته الآية بالناس، فقد أرادت الظالمين، فيكون التخويف من العذاب مختصًا بالظالم بدليل السياق القرآني. ولم يَكُ إِطلاق الإنذار في الآية ثم تخصيصه لمجرد سياق قرآني، بل لدلالة عُمِدَ إِلى هذا العدول تتضحُ من قراءتنا معًا قول الآلوسي: (( ونكتةُ العدول اليه من الإِظمار؛ للإِشعار بأَنَّ المراد بالإِنذار هو الزجر عمّاهم عليه من الظلم شفقةً عليهم لا التخويف والإِزعاج والإيذاء، فالمناسبُ عدم ذكرهم بعنوان الظلم ) ) [2] . من هذا القول يتضح أَنَّ الدلالة التي أَفادها الإِنذار قد خرجت من معناه المعجمي؛ لأَنَّ الانذار معجميًا لا يكون الا في التخويف [3] . أَمّا الآلوسي فقد أَخرج الإِنذار في الآية محل البحث من دلالة التخويف إلى النصيحة. اما السيد صاحبُ الميزان فقد رأى سببًا اخر غير ما رآه سابقه يتضح من قوله: (( أنذرَ بعذاب الاستئصال في الدنيا وذلك بقوله: (( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا ) )، وهذا إِنذارُ بعذابٍ غير مصروف عن أَمّة ظالمة. وأَما الفردُ فربّما صُرِفَ عنه؛ ولذلك ترى أَنّه قال أوّلًا: (( وأنْذِرْ الناس (( ، ثم يقول: (( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) )ولم يقل: فيقولون، أي: الناس؛ لأَنَّ عذاب الاستئصال لا يُصيب المؤمنين. وبالجملة فقوله: (((وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ) إِنذار للناس بعذاب الاستئصال الذي يقطع دابر الظالمين منهم )) [4] . من هذا يتضح أن دلالة قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ النَّاسَ ) ). أُنذر الناسُ بعذابٍ لم يُصرّح بماهيته في الآية الكريمة، ولما ذُكِرَ القومُ الظالمون بعد
(1) التبيان في تفسير القرآن 13/ 306.
(2) روح المعاني 13/ 247 - 248.
(3) ينظر: لسان العرب 5/ 202، الصحاح 2/ 825، تاج العروس 14/ 200.
(4) الميزان في تفسير القرآن 12/ 82.