الصفحة 196 من 301

أَشار عدد من المفسرين إلى أنَّ هذا القول (اي: الآية المباركة) مما يقال في يوم القيامة؛ حتى يزداد المخاطبون عذابًا فوق العذاب الذي سيلاقونه. قال الشيخ الطوسي (ت460 هـ) : (( احتجاج عليهم بأَنَّ الله بعث اليهم الرسل إعذارًا وإِنذارًا وتأكيدًا للحجّة عليهم.( ... ) وهذا إِخبار وحكاية عَمّا يقال لهم وقت حضورهم في الآخرة )) [1] . لو تدبّرت الآية الكريمة تجد الإِنذار جاء فيها مستفهمًا عنه، إذ جاء معطوفًا على قوله: (( يقصون عليكم ) )وهذا قد سُبِقَ بالاستفهام في قوله: (( ألم يأتكم ) )، فاُسْتُفْهِم عن القصص والإِنذار توبيخًا لهم، والتوبيخ يُزيد العذاب. وفي قوله تعالى: (( يقصّون عليكم ) )أَشار الآلوسي (ت 1270 هـ) الى أَنَّ هذا القول مبيّنُ لصفة الرُسُل، وموضحُ الى أَنَّ المراد من الإِرسال الإِنذار [2] . من هذا الرأي يتبين أَنَّ الآلوسي رأى قوله: (يقصون) يُفيد الإِنذار؛ لأَنَّ القصص إنذارُ، وعلى هذا يكون الإِنذار الذي أَشار اليه الآلوسي قد أُكِّدَ لماَّ ذكر تعالى قوله (وينذرونكم) ، على هذا سيكون في الآية إنذاران: أحدهما بذكر القصص، والثاني في قوله: (ينذرونكم) .

لو أعدت النظر في الآية المباركة تلاحظ أَنها خاطبت الجنَّ والأنس، وقررت أَنَّ الإِنذار قد بلغهما، وفي هذا الموضع أَورد الفرّاء (ت207هـ) تساؤلًا مفاده أَنَّ الرسل من الأنس خاصة فكيف قال (منكم) ؟ أجاب الفرّاء ومن تبعه عن هذا، أنه من باب التغليب، كما يُغلَّب المذكّر على المؤنث [3] . ومن معاني الانذار من يوم القيامة بصيغة الفعل المضارع قوله تعالى: (( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) )الزمر/ 71. وأَنت تلاحظ

(1) التبيان في تفسير القرآن 8/ 299 - 300، ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 367، الجامع لأحكام القرآن 7/ 87.

(2) ينظر: روح المعاني 8/ 28.

(3) ينظر: معاني القرآن 1/ 354، التبيان في تفسير القرآن 1/ 580.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت