وقولُه (نذير) بيانُ للرسول، وقد قُدِّم المُرْسَلُ اليه في الذكر؛ لأَنَّ المُرَسلَ اليه أَدخل في أَمر الرسالة؛ لأَنَّ عنده يتم الأَمر، ثم المُرْسِلُ متعيّن وهو الباعثُ، وأَمّا الرسولُ فباختياره ( ... ) ، وفروّا إلى الله بيانُ المهروب إِليه، ولم يذكر الذي منه الهرب لأَحد وجهين: أَمَّا لكونه معلومًا، وهو هولُ العذاب أَو الشيطان، أو ليكون عامًا، كأَنَّه يقول: كلُّ ماعدا الله عدوُ لكم ففروا إليه من كل ما عداه )) [1] . وتلاحظ قولُه تعالى (( إتى لكم منه نذيرُ مبين ) )جاء مرةً أخرى الا أَنَّ كثير من النحاة والمفسّرين رأَوا إِعادةَ القول ليس بتكرار له وانمَّا جاء لفائدةٍ أخرى ومن النحاة النحاس فقد قال: (( ليس بتكرير؛ لأَنَّه خوَّف في الثاني مَنْ عبدَ غير اللهِ جلَّ وعز، وفي الأَوّل من لم يفر إلى طاعته ورحمته ) ) [2] . وقد تابع الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) سابقه على هذا المعنى إذ قال: (( إِنَّ الثاني منعقدُ بغير ما انعقد به الأَوّل إذ تقديره: إنَّي لكم منه نذير مبين في الامتناع من جعل اله آخر معه. وتقديرُ الأَوّل: إِنّي لكم منه نذير مبين في ترك الفرار اليه ) ) [3] . وقد ذهب الآلوسي مذهب سابقيه مضيفًا إلى ذلك دلالةً اخرى وهي الحث والمبالغة في النصيحة [4] . من هذه الأَقوال يتبيّن أنه لم يكن هناك تكرارًا في المعنى، بل إِنَّ الآيتين الكريمتين وان اتفقتا في الأَلفاظ الا أَنَّ المحذَّر منه قد تباين في الموضعين، ففي الأَول انصرف التحذير إِلى مَنْ لم يفر إِلى الله، وفي الموضع الثاني صرِف التحذير الى عبادة غير الله. أَمَّا السيد صاحبُ الميزان فقد صرَّح بوجود التكرار في هذا الموضع إذ قال: (( وكُرِرَ القولُ لتأكيد الإنذار ) ) [5] .
من العرض السابق للمواضع التي جاء فيها النبي الأكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) مُحَذِّرًا تلاحظ تلك المواضع كلَّها الا واحدًا اُخْتِيرُ لها صيغة (نذير) لإِفادة ذلك المعنى. لقد صرّح المفسرون أَن النذير هو (( المخبر عما يُحذرُ منه( ... ) وهو يقتضي المبالغة )) [6] . وقد أَعطت لفظة (نذير) معنى المنذر في المواضع التي احتلتها، ولا فرق بين المعنيين فقد رأى الجوهري أَنَّ
(1) التفسير الكبير 28/ 228 - 229.
(2) اعراب القرآن 2/ 244.
(3) التبيان في تفسير القرآن 27/ 396.
(4) ينظر: روح المعاني 27/ 18.
(5) الميزان في تفسير القرآن 18/ 382.
(6) التبيان في تفسير القرآن 25/ 224.