الصفحة 192 من 301

النصب، وهذا ماقرره ابو البقاء العكبري [1] . ولم ينأ ابنُ جني (ت 392 هـ) عمّا ذهب اليه الفرّاء، فقد رأى الآية الكريمة يمكن أَن تُحْملَ على الحكاية فقد قال: (( هذا على الحكاية، حتى كأَنَّه قال: إن يُوحى. أَي: ان يقال لي: إلا أنت نذيرُ مبين، فإِنْ قيل: فإذا كانت حكاية فقد كان يجب أَن يُرد اللفظُ عينهُ، وهو لم يقلْ له: أَنا نذيرُ مبينُ، فهلا أَعاده البتة. فقال: إنْ يُوحَى إِليَّ إلا أنت نذيرُ مبين، قيل: هذا أراد، إلا أَنه إذا قال: إنما أَنا نذير مبين فكأَنّه قد قال: أنت نذيرُ مبين، أَلا ترى تقول لصاحبك: أَنت قلت: إنَّكَ شجاع، فزدت الحرف ولم يقل: إِنّك شجاع، وإنما قال: أَنا شجاع، فلما أردت قول حاكيًا له أوقعت موقع أَنا، إنّك ) ) [2] . من قول ابن جني يتضح أَنَّ تعالى حين أخبر نبيه (( - صلى الله عليه وسلم -) بأَنه نذير عَبّر عن ذلك بالضمير (أنت) ، ولما أَراد النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) الإخبار عن هذا عمد الى الضمير (أنا) ليكون مختصًا بالخطاب، وليس هذا يعني تغييرًا في القرآن الكريم، وإنما هو على الحكاية. وقد تابع المفسرون سابيقيهم على هذه المعاني، فقد ذكر الشيخ الطوسي (ت460هـ) أَن قوله: (( إنما يُوحى إِليَّ إِنما انا نذير مبين ) )، له معنيان:

الأوّل: ليس يوحى اليَّ الا لأُنّي أَنا نذيرُ مبين، أَي: مخوّف من معاصي الله.

الثاني: ليس يُوحى اليَّ الا الإِنذار البيّن الواضح [3] . وعلى هذا التقدير جُعِلتْ (إنّما) بمعنى اللام التي تُفيد الحصر، ومعنى الحصر: إِنه (( - صلى الله عليه وسلم -) لم يوحَ اليه الا لأَنه نذيرُ مبين [4] . ومن المعنى ذاتهِ قوله تعالى: (( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) )الذاريات 50/ 51. ذكر الفخرُ الرازي (ت 606هـ) في الآية محل البحث أَنَّ دعائم الإِنذار الثلاث وهي: المُنْذِر، والمُنذَرُ، والمُنْذَرُ منه قد اكتملت في الآية المباركة فقد قال: (( في الرسالةِ أُمور ثلاثة: المُرْسِل، والرسول، والمُرْسَل اليه، وهنا ذُكِرَ الكل، فقولهُ: لكم إِشارة الى المُرْسَل اليه، وقولُه(منه) إشارة الى المُرْسِل،

(1) ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 1170.

(2) المحتسب 2/ 235.

(3) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 23/ 579، تفسير القرآن العظيم 4/ 44.

(4) ينظر: الكشاف 4/ 104، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 23/ 221، الميزان في تفسير القرآن 17/ 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت