الصفحة 189 من 301

الاَّ لتبليغ الناس )) [1] . فتقديم الجار والمجرور أَدّى معنى دلاليًا وهو الاهتمام بالأَمر الوظيفي وهذا الاهتمام استدعى التقديم. وليس بمنأى عن هذه المعاني قوله تعالى: (( إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) )فاطر23 - 24. ذكر الشيخ الطوسي (ت460 هـ) أَن قوله تعالى: (( إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ، معناه لستَ الا مخوّفًا من عقاب الله ومعاصيه ) ) [2] . ولو تأَملّت كتب التفسير في هذا تلاحظ المفسرين قد أَجمعوا على أنَّ فيه فائدةَ التسلية للنبي (( - صلى الله عليه وسلم -) [3] . وقد أَوضح الفخر الرازي (ت 606هـ) الغرض من التسلية بقوله: (( وأما القصدُ من وراء التسلية هو لمواساة النبي الأَكرم حين لقي من قومهِ أَشد ضروب العذاب والافتراءات؛ فجاء قولُه تسليةً وتخفيفًا عليه من معاناته ) ) [4] . وقوله تعالى (( إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ) )كسابقيه في إفادة المعنى الدلالي، إذ ذُكِرَ أَن قوله: (( ان انت الا نذير (( أُسلوب سُميِ قصرًا اضافيًا أي: ليس لك الا إِنذارهم ) ) [5] . وبعد القول الذي أفاد التسلية يذكر تعالى وظيفة النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) المتمثلّة بالتبشير والإنذار. قال تعالى: (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) )وهذا يعني (( إِرسالًا مصحوبًا بالحق على أَنه صفة لمصدر محذوف، ويمكن أن يتعلّق بـ(بشيرًا) ومتعلِّق قولهِ (نذيرا) محذوف لدلالة المقابل على مقابلهِ، اي: بشيرًا بالوعد الحق، ونذيرًا بالوعيد الحق )) [6] . ثم يقرر الله سبحانه بأنَّ كلَّ أُمّة بعث فيها نذيرًا، وفي هذا المقام أورد الزمخشري تساؤلًا وأجاب عنه فقد قال: (( كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟ قلت: لمّا كانت النذارة مشفوعةً بالبشارة لا محالة دلَّ ذكرها على ذكرها، لاسيما قد اشتملت الآية على ذكرهما ) ) [7] وقد تابع الآلوسي (ت

(1) روح المعاني 21/ 142 - 143.

(2) التبيان في تفسير القرآن 22/ 425.

(3) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 22/ 425، التفسير الكبير 16/ 18، الجامع لاحكام القرآن 14/ 341.

(4) التفسير الكبير 22/ 188.

(5) الميزان في تفسير القرآن 17/ 37.

(6) روح المعاني 22/ 188.

(7) الكشاف 3/ 608.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت