أَي: مع الحق )) [1] . وعلى هذا يكون قوله: (وبالحق) في محل نصب حال، أَي: أَنزلناه ومعه الحق. وحين كان النزول في محل الحال كانت الوظيفة حالًا أيضًا وهذا ما قاله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) )فالتبشيرُ للمطيعين بالجنة، ونذير مُخوّف للعاصين من النار. وقد عدَّ الآلوسي ت (1270 هـ) قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) )اقتصارا الوظيفة على هذين الأَمرين. التبشير والانذار [2] . وقد تابع السيد الطباطبائي سابقه على هذا المعنى فقد قال: (( وماهو الا رسولُ منه يبشر به، وينذر، ليس له أَن يتصرّف بزيادة او نقيصة ) ) [3] . ومن هذا المعنى قوله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) )سبأ/28. أَجمع المفسرون على أَنَّ في الآيةِ المباركة تقديمًا وتأخيرًا، فقد رأوا الأصل في الاية المباركة أَن يكون، وما أَرسلناك الا للناس كافة بشيرًا ونذيرًا. الا أَنَّ السياق القرآني اختار الأَول لفائدةٍ ما سيُشار اليها لاحقًا. وأنت تلاحظ قوله تعالى: (نذيرًا) عُطِفَ على قوله: (بشيرًا) وهو حالُ من الكاف في قوله: (ارسلناك) ، وبهذا يكون المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإِنذار والإبلاغ [4] . وبهذا يكون المفعول به قد أفاد فائدةً دلاليةٍ وهي كونه مقتصرًا على الوظيفة المذكورة. اما القرطبي فقد ذهب الى ما ذهب اليه سابقه في التقديم والتأخير والمعنى، الا أَنَّ التقديم والتأخير لا يخلو من الحذف، وموضع ذلك هو قوله: (( أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً ) )، (( والتقدير: ذا كافة، أَي: ذا منع للناس من أَن يشذّوا عن تبليغك ) ) [5] . وما ذهب اليه القرطبي يتبين أَنَّ الآية تحوي على إنذارين: إِنذار مستترُ، السياق القرآني أَوحى به، والثاني: إِنذار أَفاده قولُه تعالى: (نذيرًا) . أَمَّا الآلوسي (ت 1270هـ) فقد أَوضح الفائدة من التقديم والتأخير بقوله: (( وما أرسلناك لا لشيء من الأَشياء
(1) الجامع لاحكام القرآن 10/ 339، وينظر: التفسير الكبير 21/ 67.
(2) ينظر: روح المعاني 15/ 187.
(3) الميزان في تفسير القرآن 13/ 220.
(4) ينظر: الكشاف 3/ 583.
(5) الجامع لأحكام القرآن 14/ 300.