الصفحة 187 من 301

البحث بقوله (( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) )فالضميرُ (هم) الذي وُجِّه الإنذار اليه عنى به العباد كلهم، لأن العباد كلهم سيبرزون امام الله جلّت قدرتُه.

من المواضع التي ورد فيها ذكر الله سبحانه مُنْذِرًا يتضح أَن الموضع الذي جاء بصيغة الاسم جاء الإنذار فيه عامًا مطلقًا لم يقيدّ بشيء، إذ أنَّ المُنْذَر منه لم يذكر. أمّا المواضع الأَخر التي أفادت الدلالة ذاتها وهي بصيغة الفعل فقد اقتصر الإنذار فيها على العذاب، اي: إِن العذاب الذي توعّد الله به هو المُنْذَر منه في تلك المواضع، وفي ذلك دلالة على شدة الإنذار وهوله لاسيما كونه صادرًا من الله تعالى من جهة، والامُر المترتب على مخالفة الانذار عذاب صادرُ منه عز وجل من جهة ثانية.

النبي مُنْذِرًا

حدد الله عز وجل وظيفة نبيه الأَكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) في الكتاب العزيز من الرسالة التي كُلِّفَ بها، وكانت تلك الوظيفة الإِنذار والتبشير. فلنتدبر معًا المعاني التي وُظِّفت لبيان هذا الغرض من خلال التدبّر في آيات الذكر الحكيم التي أَفادت هذا المعنى.

قال تعالى: (( إِنّا أَرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تُسل عن أَصحاب الجحيم ) )البقرة / 119. فالوظيفةُ حُددت في الآية المباركة بقوله: (( بشيرًا ونذيرًا ) )وهي الغرضُ من الإِرسال. وقد جاء قوله: (بشيرًا) منصوبًا على الحال، ونذيرًا عُطِفَ عليه )) [1] . وبعد التبشير والإِنذار لا يؤخذ النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) بكفر هؤلاء القوم [2] ؛ لأَنَّ وظيفته التي كُلِّفَ بها قد أدّاها. ومن المعنى ذاته قولُه تعالى: (( وبالحقِّ أَنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك الا مبشرًا ونذيرًا ) )الإِسراء / 105. مما يُلاحظ في الآية الكريمة أَنَّ إِنزال الحق والإِرسال مرتبطان معًا، فحين حصل الإِنزال تبعه الإِرسال لتأدية الغرض فالقولُ (( وبالحقِّ أنزلناه (( أَي: بسبب إقامة الحق، فتكون الباء متعلقة بأنزلنا [3] . أَمّا القرطبي فقد رأى الباء أَعطت معنى(مع) . إذ قال: (( وبالحقِّ بمعنى: مع،

(1) الجامع لاحكام القرآن 2/ 92.

(2) ينظر: المصدر نفسه 2/ 92.

(3) ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 835.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت