ذكرها لعاقبة المُنْذَر منه ووصفُ تلك العاقبة (النار) بالشدة والهول. وقد ظلَّ القرطبي في المعاني ذاتها مفيدًا أَنَّ قوله تعالى: (( فأنذرتكم ) )أُريد به الدلالة على التحذير والتخويف، قال: (( فأنذرتكم، فحذّرتكم وخوفتكم ) ) [1] .
اما ما جاء في الذكر الحكيم بيان كون الله مُنْذِرًا بصيغة الفعل المضارع فيطالعُك قولُه تعالى: (( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِي، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) )غافر 15 - 16. مما يُلاحظ في الآية المباركة أَن فعل الإنذار هو الفعل المضارع (ينذر) وفاعله الله عز وجل، وبهذا يكون الله سبحانه المُنْذِر، وهذا ما قرره الزمخشري بقوله: (( اللهُ هو الذي ينذر ) ) [2] . وقد تابع القرطبي سابقه على هذا المعنى إِذ قال: (( والضميرُ في قوله: لينذر كناية عن الله سبحانه ) ) [3] . يُعدُّ الفعل (ينذر) بمثابة مركز الثقل في الآية الكريمة حسبما أفاده المفسرون؛ وذلك لأَنَّ الله تعالى جعله (ينذر) علّة للإِلقاء [4] . و (( الإلقاء اشارة الى أمر الرسالة التي من شأنها الإِنذار ) ) [5] . فالارتباط وثيق بين الإلقاء وبين الإِنذار؛ لأَن الأَخير بيان للوظيفة [6] . وحين تعيّن الله سبحانه وتعالى مُنْذِرًا في الآية المباركة كان ذلك بدلالة السياق، إذ أَن سياق الآية الكريمة أَوحى بذلك. ثم قرر تعالى المُنْذَر منه وكان حسب الظاهر قوله تعالى: (( يَوْمَ التَّلاَقِي ) )، إلا أَنّك لو تأملت روح المعاني تجد صاحبه عَدَّ يوم التلاق مفعولًا به لكنه لم يرَ كونه المقصود بالإنذار، فقد رأى المُنْذَر منه محُذِفًا وتقديره: (( ليُنذر العذاب او نحوه يوم التلاق ) ) [7] . اما الطرف الثالث في الإنذار وهم المُنْذَرون فقد خصّهم تعالى في الآية محل
(1) الجامع لأحكام القرآن 20/ 86.
(2) الكشاف 4/ 27.
(3) الجامع لأحكام القرآن 15/ 300، ينظر: التبيان في تفسير القرآن 24/ 62.
(4) ينظر: روح المعاني 24/ 56، في ظلال القرآن 24/ 61.
(5) الميزان في تفسير القرآن 17/ 318.
(6) ينظر: في ظلال القرآن 24/ 61.
(7) روح المعاني 24/ 26.