الصفحة 185 من 301

القسم، وما سبقه وهو قوله تعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) )اعتراضًا لايُحسن وقوع القسم عليه، وهو تفخيم للكتاب [1] . وفي الحالتين كلتيهما سواء أَكان قوله تعالى: (( إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) )جوابًا للقسم أم لا، فالجملة (( إِنذارُ وتحذير ) ) [2] والمُنْذِر فيها الله سبحانه.

أَما ما جاء بهذا المعنى (اللهُ مُنْذِر) باستعمال صيغة الفعل الماضي فقوله تعالى (( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) )النبأ 40. أشار عددُ من المفسرين في الآية محل البحث الى أَنَّ الآية إِخبار من الله تعالى ويُراد من ذلك الإِخبار تحذير العباد ليتجنبوا مواضع سخط الله.

قال الشيخ الطوسي: (( معناه الإِخبار من الله تعالى إِنَّه خوّف عباده واعلمهم المواضع التي ينبغي أَن يحذروها ) ) [3] . وبعد أن تبيّن المُنْذِر وهو الله سبحانه يتبيّن المُنْذِر منه في الآية وهو العذاب الذي وصفه الله سبحانه بكونهِ (قريب) ، وبالإِشارة الى قرب العذاب دلالة بينة توحي بشدة الإِنذار وقوّته، لاسيما أَنَّ المُنْذَر منه قد قُرِرَ اقترابه. ومن مجيء الإِنذار بصيغة الماضي يطالعُك قولُه تعالى: (( فأنذرتكم نارًا تلظى ) )الليل14. أشار الشيخ الطوسي ومن تبعه إلى أَنَّ الانذار صادرُ من الله سبحانه وتعالى وبذا يكون الله سبحانه المُنْذِر في الآية المباركة [4] . مما يُلاحظ في الآية المباركة أَنَّ الإِنذار تركّز على قوله: (( نارًا تلظى ) )فهذا القول هو المُنْذَرُ منه حسب ظاهر الآية الكريمة، إلاَّ أَننا لو تدبّرنا معًا ما ذهب اليه الشيخ الطوسي نجده ذهب الى غير ذلك، إذ رأى المُنْذِرَ الله تعالى، أنذر عباده من اقتراب المعاصي التي تؤديّ الى العاقبة المذكورة، وهذا يتبين من قوله: (( وعيدُ من الله تعالى للمكّلفين، تقول: خوّفتكم المعاصي التي تؤذيكم الى نار تلظى، والتّلظي تلهّب النار بشدة الإيقاد ) ) [5] . وبهذا فإنَّ الآية فيها دلالة على شدّة الإِنذار لاسيما

(1) ينظر: البحر المحيط 8/ 32، هامش البحر المحيط لأبن حيان 8/ 31.

(2) في ظلال القرآن 25/ 106.

(3) التبيان في تفسير القرآن 30/ 250، ينظر: الجامع لأَحكام القرآن 19/ 188، روح المعاني 20/ 31.

(4) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 30/ 360، روح المعاني 30/ 150.

(5) التبيان في تفسير القرآن 30/ 360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت