اللهُ سبحانه مُنْذِرًا
أَفادت بعض آيات الذكر الحكيم الدالة على الإِنذار أَنَّ الله سبحانه هو فاعل الإِنذار، وقد أُعْتُمِد لبيان هذا المعنى صيغة الاسم وصيغتي الفعل الماضي والمضارع. فلنتدبر تلك المواضع من القرآن الكريم.
ما جاء في دلالة كون الله سبحانه مُنْذِرًا بصيغة الاسم قوله تعالى: (( حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) )الدخان 1 - 3. مما لا يخفى في الآيات المباركة أَنَّ الله سبحانه أقسم بالكتاب المبين الذي عنى به القرآن [1] . وهذا القسم يحتاج إلى قولٍ يقع عليه، فلنتأمل معًا ما جاء في بعض كتب المفسرين في تحديدهم للمقسم عليه.
لو تأمّلت الكشاف تجد صاحبه عَدَّ قوله تعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) )جواب القسم، أَمَّا قولُه: (( إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) )، فهو جملة مستأنفة فُسِّر بها جواب القسم، وبهذا يكون المعنى: (( أنزلناه في ليلة مباركة؛ لأَنَّ من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب ) ) [2] . وقد تابع الآلوسي (ت1270هـ) سابقه على هذا المعنى إذ عُدَّ قوله تعالى: (( إنَّا كنا منذرين استئنافًا، قال: (( وقولُه: اِنا كنُّا منذرين استئناف يُبيّن المقتضي للإِنزال، أي: أنزلناه، لأَنَّ من شأننا الإِنذار والتحذير من العقاب ) ) [3] . أمَّا السيد صاحب الميزان فقد قال: (( إنَّ قوله: (( إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) )واقع موقع التعليل، وهو يدلُّ على استمرار الإِنذار منه قبل هذا الإِنذار )) [4] . من هذا يتضح أَنَّ صاحب الميزان ذهب الى ما ذهب اليه سابقوه. فقد عَدَّ الجملة تعليلية، أَي: تعليل الإِنزال، وعلى هذا سيكون القسم واقعًا على الإِنزال. أمَّا أَبو حيان الأَندلسي (ت754هـ) فقد ذهب الى غير ذلك، اذ رأى قوله: (( إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ) )جواب
(1) ينظر: الجامع لأَحكام القرآن 16/ 125 - 126.
(2) الكشاف 4/ 270.
(3) روح المعاني 25/ 112، ينظر: لبابُ التأويل في معاني التنزيل 4/ 120، تنوير الأَذهان من تفسير روح البيان، للشيخ أسماعيل البروسوي، تحقيق: الشيخ محمد علي الصابوني، الدار الوطنية للنشر والتوزيع والاعلان، بغداد، ط1، 1990م: 4/ 26.
(4) الميزان في تفسير القرآن 18/ 131 - 132.