الصفحة 178 من 301

والترادف أو استئناف وقع جوابًا، عما نشأ من حكاية حاله، كأَنَّه قيل: ماله يفعل ذلك، فقيل: يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه، فينجو بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه، مع الإِضافة الى ضمير الراجي لأَنَّه يحذرُ ضرَّ الدنيا ويرجو خيرها )) [1] وإنَّ قوله تعالى: (( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) )إِشارة الى أَنَّ الانسان عند المواظبة ينكشف له في الأَول مقام القهر، وهو قولُه (( يحذر الآخرة ) )ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله: (( ويرجو رحمة ربه (( ثم تحصل أنواع المكاشفات، وهو المراد بقوله: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) )، إِنَّ الله تعالى أَضاف في مقام الخوف (يحذر الآخرة) فما أَضاف الحذر الى نفسه، وفي مقام الرجاء أَضافه إلى نفسه، وهذا يدلُّ على أَنَّ جانب الرجاء أَكما وأليق بحضرة الله تعالى )) [2] . وقوله تعالى: (( يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) ). يجمع خوفَ العذاب، ورجاء الرحمة، ولم يُقَيّد الرحمة بالآخرة، فانَّ رحمة الآخرة

ربّما وسعت الدنيا )) [3] . ومن هذا المعنى حيث يُخبر الله سبحانه وتعالى عباده بأَنَّ

رحمته محل رجاء، وعذابه يجب أَن يُحذر لأَنَّ عذابه لا يبلغه عذاب. قال تعالى: (( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) )الإِسراء 57. تلاحظ في هذه الآية المباركة جمع الله سبحانه وتعالى رحمته التي وسعت كلَّ شيء والخوف من عذابه الذي قال فيه: (( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) )قال الشيخ الطوسي (ت 460هـ) في الآية محل البحث، (( أَي: متقى ) ) [4] . وقال الزمخشري: (( حقيقتهُ بأن يحذره كلَّ أَحد من ملكٍ مقرّب ونبي مرسل فضلًا عن غيرهم ) ) [5] . وقال الفخر الرازي (ت 606 هـ) في الآية محل البحث: (( إن لم يحذره بعضُ الناس لجهلهِ

(1) روح المعاني 23/ 246.

(2) التفسير الكبير 24/ 250.

(3) الميزان في تفسير القرآن 17/ 243.

(4) التبيان في تفسير القرآن 15/ 491.

(5) الكشاف 2/ 647.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت