فهو لا يخرج عن كونه بحيث يجب الحذرُ منه )) [1] . وهذا القول، اي: إِن عذابَ ربك كان محذورا، معناه: (( ينبغي أَن يُحذرَ منه، ويخاف وقوعه وحصوله عياذًا بالله ) ) [2] . وقوله تعالى: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (( جملةُ تعليلية لقوله سبحانه: (( ويخافون عذابه ) )وفي تخصيصه بالتعليل زيادة تحذير للكفرة من العذاب، وتقديمُ الرجاء على الخوف، لما إِنَّ متعلّقه أسبق من متعلّقه في اتحاد أُسلوبي الجملتين إِيماءً الى تساوي رجاء اولئك الطالبين للوسيلة اليه تعالى بالطاعةِ والعبادة وخوفهم )) [3] .
مما سبق يتبين أن سياق التحذير الصريح في القرآن الكريم جاء يحمل أَساليب عدَّة، كالأَمر الذي يُفيد التهديد والوعيد، وتكرار جمل التحذير وأفادتها لمعان فضلًا عن التوكيد، والنهي الذي أفاد التحذير وترتيب العقاب على مخالفة ذلك النهي، والاستفهام الذي يُفيد الأَمر. وليس أيُ امر انما هو يعطي دلالة التهديد والوعيد. وكما لاحظت أنَّ معاني الرأفة والرحمة وردت في سياق التحذير واكتسبت من السياق دلالة التحذير. وفي مواضع التحذير الصريح جميعها لم تخرج لفظة (حذر) من معناها المعجمي، الا في موضع واحد فقد أَعطت معنى السلاح، والسلاح هو آلة يُتقى بها، وهذا المعنى يقترب من معنى (حذر) التي هي اعداد ما يتقي الضرر. كما ورد التحذير في بعض المواضع معللًا، فلما يذكر الله جلّت قدرته تحذيرًا من امر ما يعلل ذلك التحذير حتى يتسنّى لمن يصل اليه التحذير التدبر في الاسباب التي دعت الى الحذر. اما المنافقون فقد جعل الله سبحانه عاقبة أَمرهم ما يحذرون، فحذرهم من إِنزال سورة تفضحهم وحذرهم من الموت لم ينفعهم وانما كانت عاقبتهم ارسال عليهم ما يحذرون. إنَّ هذه المعاني تزيد السياق قوة وتأثيرًا. ويزيد من ذلك كون التحذير صريحًا بينًا لا غموض فيه.
وبعد التحذير الصريح ننتقل معًا الى سياق اخر يرد فيه التحذير ضمنيًا.
(1) التفسير الكبير 2/ 233.
(2) تفسير القرآن العظيم 3/ 46.
(3) روح المعاني 15/ 100.