الصفحة 175 من 301

كان في تلك الواقعة اكثر )) [1] . ولما كانت أسبابُ الموت في ذلك الموضع كثيرة كان بطبيعة الحال أَن يحذروا تلك الأسباب. اما السيد صاحبُ الميزان فقد عَدّ قوله تعالى: (حذرَ الموت) مفعولًا مطلقًا، أَي: يحذرون الموت حذرًا [2] . وما دام الأَمر الذي يحذرونه وخرجوا بسببه الموت، جعل الله عاقبتهم ما يحذرون، قال تعالى: (( فقال لهم الله موتوا ) ). وجاء التعبير بفعل الأَمر (موتوا) (( ليُبيّنَ أَنهم ماتوا ميتةَ رجل واحد بأمر الله ومشيئته ) ) [3] . إِنّك لو تأملت الآية المباركة لم تجد فيها تفصيلًا وبيانًا لكيفية الموت، من أَنه كان جماعيًا، أم انفراديًا في زمانٍ محدد؟ وهل ماتوا بسبب ما هربوا منه، حذرًا من الموت؟ لقد أجاب السيد عبد الأَعلى السبزواري عن هذه الأَسئلة بقوله: (( ولعلَّ السر في إخفاء ذلك أَن الاية جاءت لأَخذ العبرة، وبأَنَّ الفرار لا يُغيّر المصير ) ) [4] . من خلال ما سبق يتبيّن أَنَّ دلالة (حذر) في الايتين الكريمتين لم تخرج من الدلالة المعجمية للفظة ذاتها بل لازمتها، والحذرُ من الموت هو المسوّغ للأَفعال التي يعمدُ اليها المذكورون في الآيتين المباركتين. قال صاحبُ المنار: (( هذا التحذيُر إِنَّما جاء على أُسلوب القرآن وسنتّهِ بالموعظة ترعيبًا وترغيبًا ) ) [5] .

الحذرُ من الآخرة

حذَّر الله سبحانه وتعالى عباده من الآخرة في كتابه العزيز في كثيرُ من المواضع الا أَنَّ الحذر من الآخرة باستعمال لفظة (حذر) أَو أَحد اشتقاقاتها لم يرد إلاَّ في موضعين، أَحدُهما قولُه تعالى (( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ

(1) التفسير الكبير 6/ 175، الجامع لأحكام القرآن 13/ 231.

(2) ينظر: الميزان في تفسير القرآن 2/ 279.

(3) الكشاف 1/ 286، لبابُ التأويل 1/ 183.

(4) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 4/ 102.

(5) تفسير المنار 2/ 427.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت