الصفحة 174 من 301

حذرهم شيئًا، لأَنَّ الله محيطُ بقدرتهِ )) [1] . من هذا القول يتبيّن أَنَّ قوله تعالى: (( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) )مترتبُ على قوله: (حذَرَ المَوْتِ) ، لأَنهم حين يتصوّروا أَنَّ أَفعالهم تنجيهم من الموت يأتي الله بقوله (والله محيط بالكافرين) ليُبددَ امالهم. وهذا يضفي على التحذير الشدة والهول ويجعله اكثر تخويفًا اما الموضع الثاني الذي ورد فيه الحذر من الموت حذرًا ظاهريًا فهو قوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) )البقرة/243. مما هو واضحُ أَنَّ الفعل رأى يحمل اكثر من معنى، ويتضح معناه من السياق الذي يرد فيه، فلنلاحظ معًا المعنى الذي أَفاده الفعل (ترى) في الآية محل البحث. قال الطبري (ت 310هـ) : (( الرؤيا، رؤية القلب، لا رؤية العين ) ) [2] . ومن الطبيعي أن يدلَّ الفعل (ترى) على رؤية القلب والبصيرة؛ لأَنَّ النبي الأكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) لم يرَ بعينهِ الذين خصَّهم سبحانه بالآية المباركة. وقد تابع النحاس (ت 338هـ) سابقه على هذا بقوله: (( ترى، رؤية القلب، أي: ألم تتنبّه الى هذا. وألم يأتك علمه ) ) [3] . اما ابو البقاء (ت 606هـ) فقد ذهب الى غير ما ذهب اليه سابقوه حيث ذكر أن الفعل (ترى) يدل على العلم، فالقول: أَلم ترَ، اي: ألم تعلم، وإِستدلَّ على ذلك بأَنَّ الفعل (ترى) تلاه حرف الجر (الى) [4] . وهؤلاء الذين أراد الله سبحانه الاخبار عنهم قال فيهم: (( وهم ألوف ) )، قال الطبري: (( اي: وهم مؤتلفون ) )من هذا يتبيّن أَنَّ المراد بـ (ألوف) ليس العدد، اِنما المراد بيان صفة الخارجين. اما السببُ الذي دعاهم الى الخروج تمثّلَ بقوله تعالى: (( حذَر الموت ) ). وهذا مفعولُ لأَجلهِ، وهو مصدر [5] . وقد تابع الفخر الرازي (ت 606هـ) سابقه على هذا، إذ قال: (( منصوبُ لأَنَّه مفعولُ له، اي: لحذر الموت، ومعلوم أَنَّ كلَّ احد يحذر الموت، فلمَّا خصَّ هذا الموضع بالذكر عُلِمَ أَنَّ سبب الموت

(1) تفسير القرآن العظيم 1/ 53.

(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 2/ 585.

(3) اعراب القرآن 1/ 275.

(4) ينظر: التبيان في اعراب القرآن 1/ 193.

(5) ينظر: اعراب القرآن، للنحاس 1/ 275 - 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت