كان منصوبًا كما نصبت الدرهم حين تقول: عشرون درهمًا، وفعلتُ ذلك مخافة فلان )) [1] . والى مثل هذا ذهب الفرّاء (ت 207هـ) فقد نصب حذَر على غير وقوع من الفعل عليه فقد قال: (( انما هو كقولك: أعطيتُك خوفًا وفرقًا، فأَنت لا تُعطيه الخوف، وإنما تُعطيه من أَجل الخوف، فنصبته على التفسير وليس بالفعل ) ) [2] . اما الزجاج فمن جملة ما قاله في الآية محل البحث قوله: (( وإِنَّما نصبت(حذر الموت) ؛ لأنّه مفعولُ به، والمعنى: يفعلون ذلك لحذر الموت، وليس نصبه لسقوط اللام، وإنّما نصبه أَنه تأويل المصدر، وكأَنَّه قال: يحذرون حذرًا؛ لأَنَّ جعلهم أصابعهم في آذانهم من الصواعق يدلُّ على حذرهم الموت )) [3] . اما ابنُ يعيش (ت 643هـ) فقد تابع سابقيه في هذه الآية المباركة على ما أفادوه، فقد عَدَّ حذر الموت منصوبًا؛ لأَنَّه مفعولُ لاجله، وكذلك موقع من الصواعق، فهو مفعولُ له ايضًا، اي: من خوف الصواعق. لأَنَّ (من) تدخل بمعنى (اللام) ، فتقول: خرجتُ من أَجل زيد، ومن اجل ابتغاء الخير، واحتملتُ من خوف الشر [4] . وقد أَيّد ابو حيان (ت 754هـ) هذه الاقوال فقد ذكر أَنَّ (( شروط المفعول من أَجله موجودةُ فيه، اذ هو متحدُ بالعامل فاعلًا وزمانًا، ولذلك فهو مفعولُ من أَجله ) ) [5] . وقد رأى مفسرُ آخر إِنما نُصِبَ قوله تعالى::حذرَ الموت)؛ لانه وقع موقعَ العلّة، اي: إِنَّ حذرهم من الموت كان سببًا لما يفعلوه من وضع الأَنامل في الآذان، وسببًا لضرب المثل عليهم [6] . اما الشيخ الطوسي (ت 460هـ) فلم يرَ (حذَر الموت) مفعولًا له، وإِنما عَدَّه منصوبًا على التمييز [7] . وبعد الأَهوال والمخاوف وما يفعلونه حتى يتجنّوا ما يحذرون يقرر لهم ربُّهم بأَنَّه محيطُ بهم ويعلمُ حالهم، وذلك بقوله: (( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) ). قال الحافظ عمادُ الدين ابن كثير (ت774 هـ) : (( ولا يجدي
(1) كتاب سيبويه 1/ 198.
(2) معاني القرآن 1/ 17.
(3) معاني القرآن واعرابه 1/ 62.
(4) ينظر: شرح المفصّل 1/ 53.
(5) البحر المحيط 1/ 84.
(6) ينظر: حاشية انوار التنزيل واسرار التأويل 1/ 99، روح المعاني 1/ 75.
(7) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 1/ 17.