ثانيًا: قال الطبرسي (ت 548هـ) : (( الضميرُ الذي اتصل بـ(في) عائدُ الى الصيب، أو الى السماء )) [1] . ثم قال تعالى: (( رعدُ وبرق ) )لُيزيدَ الموقف هولًا يتلوه قولُه تعالى: (( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) )ومما لا يخفى عليك أَنَّ الضمير في قوله: (( يجعلون ) )، عائدُ الى أَصحاب الصيِّب فهم وان كانوا محذوفين لفظًا إلاَّ أَنَّهم باقون معنى. وجاء الفعلُ (يجعلون) في موضع جر؛ لأنه وصفُ لأصحاب الصيب [2] . اما النحاس (ت 338هـ) فقد رأى غير ما رأى سابقه إذ قال: (( يجعلون، إن شئت حالًا من الهاء التي في قوله:(فيه) فإنْ قيل: كيف يكون حالًا ولم يعدْ على الهاء شيء؟ فالجوابُ: إِنَّ التقدير في صواعقه )) [3] . وقد جعل الفخرُ الرازي (ت606هـ) قوله: يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت. بمنزلة جواب لمن يسأل عن حالهم. فقد قال: (( فكأَنَّ قائلًا قال: كيف حالّهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون اصابعهم في آذانهم ) ) [4] . ومن الطبيعي أَنَّ الأَصابع لايمكن أَن تُجْعَلَ في الآذان، وإِنما التي تكون هي الأَنامل، وإِنما أُطلقت الأَصابع موضع الأَنامل مبالغة [5] . وفي هذا الرأي مبالغةُ ايضًا لأَنَّ الأَنامل لا يمكن جعلها في الآذان، وإنما الجَعْلُ لجزء صغير منها. فأصحابُ الصيِّب حين يسمعون الاصوات المخيفة، ويشاهدون الأَهوال من حولهم يشرعون الى وضع أناملهم في آذانهم أَملًا منهم أَنَّ ذلك سيخففُ البلاء عنهم.
إِن التدرّج في الآية المباركة بضرب المثل، وبيان الأَهوال التي أَحاطت بهم، والأَفعال الذي عمد اليها المنافقون لبلوغ هدف واحد بينه تعالى بقوله: (حذر الموت) ويتبيّن هذا هو الغرض الرئيس حسبما أفاده سيبويه بقوله: (( منصوبُ لأنّه موقوعُ له اي: مفعولُ لأجله، وحقيقتهُ أَنَّه مصدرُ، وتفسيرُ لما قبله، وليس صفةً لما قبله، ولا منه، لذلك
(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 1/ 57، البحر المحيط 1/ 84.
(2) ينظر: اعراب القرآن المنسوب للزّجاج 1/ 42.
(3) اعراب القرآن 1/ 144.
(4) التفسير الكبير 2/ 80.
(5) المصدر نفسه 2/ 80.