مقامه [1] . وعلى هذا يكون التقدير: أو كأصحاب صيِّب. فتشبيهّ المنافقين بالذي استوقد نارًا، أو بأصحاب الصيب فالوصفان متساويان لا فرقَ بينهما، ومن هذا المعنى قولُه تعالى: (( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) )الإِنسان 24، فالآثم والكفور متساويان في عدم وجوب الطاعة.
ثانيًا: او بمعنى (بل) التي للإِضراب الانتقالي [2] . وحسب هذا التقدير حين شبّه الله المنافقين بالذي استوقد نارًا عاد ليقول: بل هم كأصحابِ صيِّب إذ عَمُدَ إلى وصف أَعلى مرتبةً من سابقه وأكثر توافقًا مع الاجواء التي كانوا موصوفين بها.
ثالثًا: (أو) بمعنى الواو، وكأَنَّه قال: (وكصيِّب) [3] ، وهذا يعني أَنَّ حال المنافقين كالذي استوقد نارًا وكأصحاب صيِّب. وعلى هذا سيكون المعنى اكثر إِيحاءً بالشدة؛ لقساوة التشبيهين، ويزيدُ الموقف هولًا مجيء كلمة (صيِّب) نكرةً حتى تُعطي معنى الشدةِ، والقسوة، وغزارة المطر [4] . وحين نسمعُ بالصيِّب يتبادرُ الى أَذهاننا أَنَّه نازلُ من السماء لا غير. فلم ذكر تعالى السماءَ بعد الصيِّب؟ أَجاب عن هذا الفخر الرازي (ت 606هـ) بقولهِ: (( لو قال تعالى: كصيِّب، دون ذكر السماء، احتمل أَن يكون الصيّب نازلًا من بعض جوانب السماء دون بعض. أَمَّا لما قال: من السماء دلّ على أَنَّه عام مطبقُ اخذُ بآفاق السماء، فكما حصل في لفظة الصيب مبالغةُ في التنكير أَيّد ذلك بأن جعله مطبقًا ) ) [5] وهذا له الاثر في بيان الخوف والرهبة التي كان فيها المنافقون. أَمَّا قولهُ تعالى: (( فيه ظلماتُ ) )فاختلف المفسرون والنحاة في عودة الضمير المتصل بحرف الجر (في) وهذا الاختلاف يتّضح من ملاحظة النقاط الاتية:
أولًا: قال الزجاج: (( إن الضمير لا يعودُ الى الصيب، لأَنَّ الصيِّبُ لا ظلمات فيه ) ) [6] .
(1) ينظر: مجمع البيان 1/ 57، التفسير الكبير 2/ 78، البحر المحيط 1/ 84.
(2) التفسير الكبير 2/ 78.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 2: 78.
(4) ينظر: المصدر نفسه 2: 78، البحر المحيط 1/ 84.
(5) التفسير الكبير 2/ 79، انوار التنزيل واسرار التأويل 1/ 98.
(6) اعراب القرآن المنسوب للزجاج 1/ 42.