الصفحة 170 من 301

وبهذا تكون قد أُخرجت من أسلوب التحذير الى التحذير المفهوم بدلالة (حذر) ، ثم يُتبع التحذير بوعيد من الله عز وجل وهو قوله )) ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيء )) .

وهذه سنة القرآن في التحذير الصريح إذ يُتبع بوعيد لاضفاء الشدة.

الحذرُ من الموت والاستعدادُ له

مما لا يخفى على أحد أَنَّ الله سبحانه وتعالى حذَّر وخوّف من الموت كثيرًا حتى يتجنب الإنسان المعاصي ويقتربَ من الطاعات، إلا أَنَّ الحذر من الموت بصورته الصريحة لم يرد في القرآن الكريم الا في موضعين، وأَول هذين الموضعين سورة البقرة حيثُ يذكر الله تعالى حال المنافقين ومن أي شيء يحذرون. قال تعالى: (( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) )البقرة 19. شبّه الله تعالى المنافقين في القرآن الكريم تشبيهاتٍ عدّة وكانت تلك التشبيهات تبيّن حالهم وجهلهم. ففي الآيات الكريمة التي سبقت الآية محل البحث تلاحظ المنافقين كالذي استوقد نارًا فلما أضاءت أذهب الله نورهم وتركهم في الظلمات التي لا يهتدون بها إلى سبيل. وأَخذت الآياتُ المباركة في وصفها للمنافقين حتى وصلت آيتنا محل البحث. وفي هذه الآية تباينت أَقوال النحويين والمفسرين في بيان المعنى الذي أَفادته (أو) ، ومن تلك الآراء:

أولًا: (او) للإباحة، والتقديرُ: أو كأصحاب صيِّب [1] . من هذا يتضحُ أَنَّ أَصحاب هذا الرأي أجازوا تشبيه المنافقين بالذي استوقد نارًا، كما يمكن تشبيههم بأَصحاب الصيّب. لو دققت النظر في قوله تعالى: (( كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) )وقوله: (( أَوْ كَصَيِّبٍ ) ). تجد الآية الأَولى اختصت بالعاقل، والثانية بغير العاقل، وهذا ما دعا الطبرسي (ت 548هـ) أن يجعل قوله: (( كصيب ) )على حذف المضاف وإِقامة المضاف اليه

(1) ينظر: اعراب القرآن المنسوب للزجاج 1/ 42، معاني القرآن واعرابه 1/ 62، مجمع البيان في تفسير القرآن 1/ 57، الجامع لأحكام القرآن 1/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت