الصفحة 110 من 301

ومن المعنى ذاته قوله تعالى: (( يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) )يوسف 87. وليس خافيًا عليك أَنَّ هذا من جملة ما قاله يعقوب (ع) لبنيه يحثهم على البحث عن يوسف (ع) ، والمتأمّل في سياق الآية المباركة يجد الصيغة قد وظّفت معانيها من تكرار الفعل مرة بعد مرّة، والتكلّف بما يتوافق ومقتضى الحال الذي جاءت فيه، فيعقوب (ع) حسَّ بفطنتهِ، ونور بصيرته وراء اولاده شيئًا اخفوه لذا جاء التعبير بصيغة (تَفَعَّلَ) لتُعبِّرَ عن التصبرّ في البحث والتدرج والتكلّف فيه والعمل المتكرر حتى يصل الى حقيقة الأمر. كما أَنَّ الصيغة في هذا الموضع أَفادت معنى اخر أَوضحه احد الباحثين بقولهِ: (( عبرت الصيغةُ عن الحيطة والحذر؛ والتمهّل في تحسيس الخبر، لأَنَّها بمعنى الطلب( ... ) ، فجاءت تلك الصيغة معبرةً تمامًا عن الأَمر المطلوب، وهو تقصّي الخبر مع الحيطة والحذر )) [1] . ولم يكن هذا الباحث وحده السابق لهذا المعنى فقد ذهب من قبلُ عدد من المفسرين الى ما يقربُ من هذا [2] . وفي سياق الوعيد ترد صيغة (تَفَعَّلَ) لترسمَ صورةً للجّبار العنيد وهو يتناول شرابه الذي قُدِّمَ له، قال تعالى: (( مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ) )ابراهيم 16/ 17. فقد جاءت صيغة (تَفَعَّلَ) لتفيدَ معنى يتوافق مع شدة وقع الألم التي تنتج عن الشراب.

قال سيبويه: (( وأَمَّا يتجرّعُه، ويتحسسّاه، ويتنوّته، فهو يتنقصّهُ، لأَنَّه ليس معالجتك الشيء بمرِّه، ولكنه في مُهلةٍ ) ) [3] . وقال الطبرسي (ت548هـ) : (( التّجرّعُ يتناولُ المشروب جرعةً جرعةً على الاستمرار، والإساغة ) ) [4] . من هذين القولين يتضحُ أَنَّ التجرّع هو التكلّف في الجرع، والتدرج فيه، بسبب شدة وقه الالم الذي يحدثه الشراب، وهذان المعنيان من معان صيغة (اِفْتَعَلَ) . ومن الوعيد ايضًا قولُه تعالى: (( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ) )الحجر/3. قال الطبرسي (ت 548هـ) : (( التمتع: التلذذ، وهو طلبُ اللذّةِ حال بعد

(1) الاعجاز الصرفي في القرآن 134.

(2) ينظر: المحرر الوجيز 3/ 274، التفسير الكبير 18/ 135 - 136، روح المعاني 13/ 44.

(3) كتاب سيبويه 4/ 72.

(4) مجمع البيان في تفسير القرآن 6/ 307.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت