الصفحة 108 من 301

السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ )) القمر 1. فقد اختار عز وجل (اقْتَرَبَ) لما يحمل من معانٍ تتوافق مع تلك الساعة، قال الطبرسي: (( في(اقتربت) زيادة مبالغة على قَرُبَ، كما أَنَّ في اقتدر زيادة مبالغة على قَدَرَ، لأَنَّ أَصلَ أفتَعَلَ إِعداد المعنى للمبالغة، نحو: اشتوى، إذا اتخذ شواءً، في المبالغة في اعداده )) [1] . فاختيارُ صيغة (افتعل) في سياق التخويف أَفادت الحث على الاجتهاد والطلب والمبالغة في الأَفعال التي امر بها الله عز وجل، الى جنب الاجتهاد في محاربة الهوى وعدم اتباعه.

اِختيار صيغة انْفَعَلَ

هذه الصيغة هي الفعل الثلاثي المزيد بالهمزةِ والنون، في أوّلهِ، ذهب العلماء الى أَنَّ الأَصل الغالب على هذا البناء ان يجيءَ مطاوعًا للفعل الثلاثي المتعّدي لواحد، فقد أشار سيبويه الى هذا بقوله: (( ما طاع الذي فعله على(فَعَلَ ) )) [2] . و (( المطاوعة قبولُ أثر الفعل ) ) [3] . لو تتبعت صيغة انْفَعَلَ في الكتاب العزيز تلاحظ تكرارها الواضح في الآيات التي تُنبئ عن وقوع القيامة، فقد عمد القرآن الكريم الى هذه الصيغةِ دون غيرها لإفادة هذا المعنى، والشواهدُ على هذا كثيرة جدًا. يقتصرُ الباحث على بعضها، قال تعالى: (( وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ) )التكوير 2. وقال تعالى: (( وإذا السماءُ انفطرت ) )الإنفطار 2، وقال تعالى: (( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ) )الانشقاق 1. تقول الدكتورة نجاة الكوفي: (( إِنَّ هذه الصيغة إِنما تُسنُد للفاعل الذي ينفعلُ للحدث بسرعةٍ وطواعية لحظة البدء فيه، فلا يصحُّ أَنَّ تقولَ: فتحته فإنفتح فيما أُحْكِمَ إِغلاقُه ) ) [4] . ومما لاريب فيه أَنَّ النجوم والسماء قد أُحْكِمَتا إحكامًا لا يبلغ كنهه أَحد، ولا يقوى أحدُ خرقه الا أَنَّه حين صيغ لها أفعالُ للمطاوعةِ جاءت تلك الأَفعال دالةً على اِستجابة ذلك الكون وطواعيتهِ وتأثّره بكلمة خالقهِ، وعلى هذا جاءت الآيات دالة

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 185:9.

(2) كتاب سيبويه 4/ 65 وينظر: المقتضب، للمبرّد تحقيق: محمد عبد الخالق عظيمة، عالم الكتب، بيروت: 2/ 114 والممتع في التصريف 1/ 189 و191.

(3) شرح الشافية 1/ 108 والصرف الواضح 103.

(4) أبنية الأفعال، دراسة لغوية قرآنية، الدكتورة نجاة الكوفي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1989: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت