في الاكتساب في الشر والكسبُ في الخير، لأَنَّ الاكتساب فيه إِعمال ومشقّةُ حاصلةُ مع تحمل الجزاء العظيم الشديد أو لأنَّ النفس تعمل بجميع قواها في تحصيل الشر )) [1] .
من استقراء الأَقوال السابقة يتبين اتفاق العلماء في الآية المباركة على أَن الكسب اختص بالخير، والاكتساب بالشر. ولو تدبّرت الآية الكريمة ثانية تجد الفعل كسب قد سُبق بـ (لها) إذ ذُكِرَ معه حرفُ الجر اللام؛ لأَنَّ الحسنة تعود بالنفع لصاحبها، وأمّا قوله: (اكتسب) فقد سُبق بـ (عليها) فقد جاء حرف الجر (على) ، وكأَنَّ الاية تريد إفادة أَن الذنب وزرُ ثقيل يحمله المذنب على ظهره، هذا من جهة، ويمكن النظر الى هذا الاختيار من جهة ثانية وهو ان زيادة البناء في الكلمة رافقتها زيادة في المعنى، قال الزمخشري: (( إِنَّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى ) ) [2] . فزيادة الهمزة في قوله (اكتسب) اصطحبت معنى اضافته الى قوله: (كَسَبَ) . والمعنى المصطحب هو دلالة التكلف في الطلب والاجتهاد فيه.
ومن المواضع التي جاءت فيها صيغةُ (افْتَعَلَ) قولُه تعالى: (( اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلًا ما تذكرّون ) )الاعراف 3. فقد اختارت الاية (اتبعوا) مرّتين لتأمر المؤمنين اتباع ما أُنْزِل اليهم من الله مرة. واختارت صيغة (افْتَعَلَ) لتدل على الاجتهاد في سلك شرع الله سبحانه، وأمّا (اتبعوا) الثانية التي تحملُ الوزن ذاته أفادت الاجتهاد في نهي النفس عن اتخاذ شركاء لله. والنكتةُ فيه أَنَّه نهى عما تكلّفه صاحبُهُ وقصد اليه دون ما وقع بغير كلفة أو قصد. [3] ومن المعنى ذاته قوله تعالى: (( يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) )ص26. فقد جاء قولُه تعالى (تتبع) مسبوقًا بنهي فيمكن ما قيل في الآية السابقة من معان افتعلَ من الاجتهاد والمبالغة في الطلب، والكلفة، أَن يقال في هذه الآية المباركة. وعندما أَراد تعالى ان يُخبر عن دنو الموعد الذي لابدَّ منه عمد الى صيغة افْتَعَلَ، حيث قال: (( اقْتَرَبَتْ
(1) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 8/ 166 - 167.
(2) الكشاف 1/ 41.
(3) ينظر: الاعجاز الصرفي في القرآن 133.