الصفحة 106 من 301

تأتي هذه الصيغة لمعانٍ عدة منها: الاجتهاد، والطلب، والتصرّف، والمبالغة في الفعل [1] . من المواضع التي جاءت فيها صيغة أفتَعَل قولُه تعالى: (( لايكلّفُ اللهُ نفسًا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) )البقرة 286. وانت تلاحظ الآية المباركة استعملت مرةً الفعل (كسب) وأخرى (اكتسب) والفرقُ بين الفعلين أوضحه سيبويه بقوله: (( وأما كسب فإنه يقول: أصاب، وأمّا اكتسب فهو التصرّف والطلب، والاجتهاد بمنزلة الاضطراب ) ) [2] . وقال ابن عطية (ت541هـ) : (( لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبت من السيئات ) ) [3] . اما القرطبي (ت 671هـ) فقد تابع سابقه على هذا بقوله: (( الحسناتُ هي مما يُكسبُ دون تكلّف، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى، ورسم شرعهِ، والسيئاتُ تكتسبُ ببناء المبالغة، اذ كاسبها يُتكلّف فيه، وفي أمرها خرق حجاب نهي الله فيَحسنُ في الآية مجيء التصريفين إحرازًا لهذا المعنى ) ) [4] . والى مثل هذا ذهب السمينُ الحلبي فقد ذكر أََنَّ الايةَ عندما أرادت التعبير عن الشر عمدت الى الاكتساب للدلالة على التكلّف والاجتهاد والاضطراب والتصرّف لأَجلِ تحصيل المعصية ويناسبُ ذلك ما في المعصية من مخالفة الأعراف والفطر السليمة، مما يدعو العاصي الى الاحتيال فيها، كما أَنَّ افْتَعَلَ تدلُّ على الكلفة، وفِعْل السيئة شديد لما يؤول اليه [5] . أما السيد عبد الأعلى السبزواري الموسوي فقد ذهب الى ما ذهب اليه سابقوه مضيفًا عليهم بعضَ المعنى فقد قال: (( الاكتسابُ: هو الكسبُ مع المبالغة والتكلّف، وقيل: إِنَّ الكسبَ هو ما يستفيدُه الإِنسان لنفسهِ، والكسبُ أعمُّ من أَن يكون لنفسهِ أو لغيرهِ، فكلُّ اكتساب كَسْب، ولا عكس، واكثر استعمال الاكتساب في القرآن الكريم في الإِثم، وما يكون ضرًا على الإِنسان، قال تعالى: (( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ ) )النور 11، وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) )الاحزاب 58، ولعلَّ وجه التخصيص

(1) ينظر: شرح الشافية 1/ 108،شذا العرف في فن الصرف 44.

(2) كتاب سيبويه 4/ 74.

(3) المحرر الوجيز 1/ 313.

(4) الجامع لاحكام القرآن 3/ 431.

(5) ينظر: الدر المصون 1/ 697.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت