يكون ممن وصِفَ بهذا الحال. ومن اختيار صيغة الجمع قوله تعالى: (( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي ) )المؤمنون 99. قال النّحاس (ت338هـ) : (( إِنَّ معنى ارجعونِ، على جهة التكرير، ارجعنِ، ارجعنِ، ارجعنِ ) ) [1] فحين أُطْلِقَ اللفظُ بصيغةِ الجمع يتبين أَنَّ طلب الرجعة يتكرر مرةً بعد مرّة. ويقرب من هذا قولُ الطبرسي (ت 548هـ) فقد قال: (( حيث جاءت صيغة الجمع لتُعبِّر عن الإِستغاثة باللهِ أَولًا، ثم الرجوع الى مسائلة الملائكة ) ) [2] . فمن أُلقي في النار أَخذَ يصرخُ ويجدد صراخَة لعلَّ من يستجيب له، إلاَّ أَنَّ الاستجابة تكون بالرد (( كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ) )المؤمنون 100، فأيُّ تحذير وتخويف بعد هذا؟ ولهذا فضّلت الآيات الكريمة صيغة الجمع على المفرد؛ لكون الجمع اكثر توافقًا مع السياق، ولم يقف التفاضل عند هذا الحد بل ذهب الى أبعد منه فقد عمدت بعضُ الآيات الى المفاضلة بين صيغ الجمع المختلفة إذ اختارت صيغة جمع دون صيغة جمع أخرى.
أنعم النظر في قوله تعالى: (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) )النحل 112. وأنت تلاحظ قوله (أنْعُم) بصيغة جمع القلّة مع أَنَّ النعم التي وهبها الله لهذه القرية كثيرة بدليل قوله: (( يأتيها رزقُها رغدًا من كلِّ مكان ) )، فما السبب في اختيار صيغة جمع القلّة؟ قال ابو السعود: (( وإِيثار جمع القلّة للإِيذان بأَنَّ كفران نعمة قليلة أوجبَ هذا العذاب، فما ظنُّكَ بكفرانِ نعم كثيرة؟ ) ) [3] . وهذا مانبّه عليه ابو السعود يناسب مقام التخويف لهولاء الكافرين الجاحدين نعم الله تعالى.
اختيار صيغة افتعل
(1) اعراب القرآن 2/ 427.
(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 117:7 و ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 960.
(3) تفسير ابي السعود 5/ 145.