لايُبصرون، أي: لا بصَر لهم أصلًا ولا بصيرة )) [1] . من هذا يتضحُ أَنَّ الظلمات تعدَّت معناها الحقيقي وهو الظلمةُ الناتجة عن ذهاب النور الى ظلمة البصيرة التي ذهب نور الإِيمان عنها، وفي هذا زيادةُ التخويف لمن مثل حالهم. قال القرطبي (ت 671هـ) : (( جَمْعُ الظلمات إشارة الى ظلمةِ الليل، وظلمة الدجن وهو الغيمُ، من حيثُ تتراكب وتتزايد ) ) [2] . أما الآلوسي فقد ظلَّ في المعاني ذاتها فقد قال: (( قد يكون تكثير الظلمات هنا إنّما هو باعتبار عظم ما هم فيه من الكفر والضلالة، فهي وإن كانت ظلمة واحد لكنَّها لشدتّها اُستُعِيرَ لها صيغة الجمع مبالغة ) ) [3] . واما السيد عبد الأَعلى السبزواري (قدس سره) فقد تابع سابقيه على هذا مضيفًا اليهم معنى آخر، يتضح من قوله: (( تركهم في ظلمات، اي: أذهب اللهُ جميع مراتب النور عنهم في الدنيا والآخرة، بل سلب جميع الكمالات الإنسانية ) ) [4] ، وعلى هذا النحو جاء قوله تعالى: (( او كصيَّبٍ من السماء فيه ظلماتُ ورعدُ وبرق ) )البقرة 19. (( فتكثيرُ الظلمات أما باعتبار قوتِها، وأما باعتبار كثرتها ) ) [5] . ومنه ايضًا قوله تعالى: (( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) )النور 40. وهذا للإِشارة الى ظلمة البحر وظلمة الموج فوقه، وظلمة السحاب فوق الموجُ.
من الآيات الكريمة التي جمعت (الظلمات) يتضح الإِيحاء بشدة الظلمة، ودوامها بدوام المخاوف المحيطة بتلك الظلمة، فظلمةُ عدم الإِيمان، وظلمةُ السماء المصاحبة لنزول الصيِّب وأصوات الرعد والبرق، وظلماتُ البحر كلُّها جاءت لتصوّر معنى من معان الظلمة ألا وهو زيادةُ الموقف هولًا وتخوفًا لمن يسمعه، فهذا هو تحذيرُ للسامع كي لا
(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين ابي الحسن ابراهيم بن عمر البقاع، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الركن: 119 - 120.
(2) الجامع لأحكام القرآن 1/ 216.
(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: 1/ 187.
(4) مواهبُ الرحمن في تفسير القرآن 1/ 116.
(5) الاعجاز الصرفي في القرآن 113.