الصفحة 103 من 301

فكأَنَّ تلك النفوس الكثيرة من الأَولين والآخرين نفس واحدة عند الله لبلوغهِ من العظمة والكبرياء مما لايوصف.

أَما أَحد الباحثين المعاصرين فقد جمع ما رآه سابقوه في هذه الآية فيما ذهبوا اليه اذ ذكر (( إِنَّ المرءَ إذا سمع قوله تعالى: (( علمت نفسُ ما احضرت ) )قال في نفسه: سنعلم جميعًا، ففيه من البلاغة تقريرُ المخاطب بما عليه، والزامه بإقامة الحجة على نفسهِ، ويمكن أَن يكون قُصِدَ به التحقير، فكأَنَّ الآية تُلمح الى مجيء هذا المرء الى المحشر وحيدًا ليس معه أَعوان ولا شفعاء، حيث أَنَّها تعلمُ متجرّدةً، منفردةً، مع كثرة نفوس ذلك المشهد )) [1] . ونظيرُ هذا ما جاء في سورة الانفطار التي تلي سورة التكوير، قوله تعالى: (( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) )الانفطار 1 - 5، فما قيل في سورة التكوير يمكن أن يقال في سورة الانفطار لاسيما أَنَّ استعمال صيغة المفرد (نفس) ، ودلالة يوم القيامة يُطالعُنا في السورتين.

اختيار صيغة الجمع

ورد في الذكر الحكيم في مواضع عدة منه إيثار صيغة الجمع على المفرد؛ لما تحمله صيغة الجمع من معانٍ تتوافق مع السياق أكثر توافقًا من المفرد، لاسيما أَنَّ السياق الذي ترد فيه صيغة الجمع يُفيد التخويف والترهيب، وتلك المواضع كثيرة يتعذّرُ حصرها في هذا الموضع الاَّ أَنَّ الباحث يقتصرُ على بعضها لبيان الصورة. قال تعالى: (( مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلماتٍ لا يُبصرون ) )البقرة 17. في هذا الموضع يُمثّلُ الله تعالى تكاثر الشبهات على المنافقين حين تخلّوا عن الإيمان بمن انطفأ نوره، فصار في ظلمة حالكةٍ وقد اُختِيرَ لبيان هذا المعنى صيغة الجمع (ظلمات) ، قال البقاعي: (( أي: ظلماتُ لا ينفذ فيها بصر، فلذا كانت نتيجته

(1) الإعجاز الصرفي في القرآن 109 - 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت