قلتُ: هو عكس كلامهم الذي يقصدون به الإِفرادَ فيما يعكس عنه، وهو من قولهِ (( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) )الحجر /2، ومعناه كم، ( ... ) وتقولُ لبعض قوّاد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رُبَّ فارسٍ عندي، أولا؛ لعدم فارسٍ عندي، وعنده المقانب وقصدُه بذلك التمادي في تكثير فرسانهِ، ولكنه أَراد اظهار براءته من التزيّد، وأَنَّه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلًا أن يتزيّد، فجاء بلفظ التقليل ففُهِمَ منه معنى الكثرة على الصّحة واليقين )) [1] . أَمَّا ابنُ عطية (ت 541هـ) فقد تابع سابقه على هذا الرأي مع إضافةِ فائدة اخرى فقد قال: (( نفسُ هنا اسمُ جنس، اي: علمت النفوس، ووقع الإِفرادُ لتنبيه الذهن على حقارة المرء وقلَّةِ دفاعهِ عن نفسه ) ) [2] . ومما لا يخفى أَنَّ أَغلب المفسرين يطلع اللاحق على ما كتبه السابق فيُعارضُه حينًا ويتابعه عليه حينا ويضيف الى ما قاله احيانًا أُخر، وحسب هذه الطريقة تجد مفسرًا يقول: (( الإِفرادُ لتهويل ذلك اليوم، وإِظهار لكبرياء الله وعظمته، حتى كأَنَّ جميع النفوس البشرية في جنب ما خلقه من الأَجرام السماوية العظام أمور قليلة ونفوس حقيرة ) ) [3] . اما الآلوسي (ت 1270هـ) فقد رأى الإِفراد في الآية يُفيد المبالغة؛ لأَنَّ استعارة أَحد الضدين للآخر تُفيد المبالغة للتعكيس [4] . كما أَنَّ التعبير بالمفرد في قولهِ (نفس) دون الجمع (( يتجاوب مع الانقلاب الهائل الذي يحدث في جميع الكون وانعكاس الخلق ) ) [5] . وذلك الانقلاب الهائل هو تغيّر الكون وخرق نواميس الطبيعة التي اعتادها البشر الذي اخبرت السورة المباركة عنه من آيتها الاولى وحتى الآية محل البحث. باستقراء الاقوال السابقة الذكر يتضح أَنَّ اصحابها قد أجمعوا على معنى واحد، وإنْ تباينوا في التعبير عنه، وهو أَنَّ اختيار صيغة المفرد في هذا الموضع قُصِدَ به التفخيم والتهويل،
(1) الكشاف 4/ 189 و"المقانبُ: جَمْعُ مقنب، والمقنبُ من الخيل ما بين الثلاثين الى الأَربعين، وقيل: زهاء ثلاث مائة". لسان العرب 1/ 69.
(2) المحرر الوجيز 5/ 443.
(3) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي 8/ 328.
(4) ينظر: روح المعاني 14/ 8 و 30/ 57.
(5) الاعجاز الصرفي في القرآن 109 - 110.