(والاتفاق في وجه الدلالة على الغرض فيجب أن يكون مما اشترك الناس في معرفتهِ وكان مستقرا في العقول والعادات .... ولايحتاج الى العلم به الى روية واستنباط وتدبر وتأمل) . [1] وهذا النوع من الدلالة لعمومه واشتراك الناس فيه، لايمكن التفاضلُ فيه ولا التفاوت في درجاتهِ ولجلي معناه فهو من المشترك العامي وصريح ظاهر في دلالتهِ لم تلحقُه صنعه. [2]
وقد ذكر الجرجاني هذه الدلالة ضمن تقسيم له لدلالة الكلام على ضربين، و (الدلالة المركزية) هي دلالة الضرب الاول منها هي: (ضرب أنت تصلُ منه الى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك اذا قصدت ان تخبر عن زيد مثلا بالخروج على الحقيقة فقلت: خرج زيد) . [3] والضرب الثاني تحدث فيه عن معنى (المعاني الثواني) وسنذكره في موضعه.
والوضع الذي يصح عليه الكلام هو الوضع الذي (يقتضيه علم النحو) [4] وتركيب الكلام على وفقه وهاتان ناحيتان- الدلالية والنحوية- أكدهما الجرجاني في صياغة الكلام، والحفاظ على معانيه المعروفة.
ومن أمثلة ذلك المزاوجة بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلّج بيّ الهوى ... أصاخت الى الواشي فَلّج بها الهجر
ومن خلال لغة اقتران الشيئين بطريق الشرط والجزاء عبّر عن معنى عام فترتب عليها وهو لجاجُ الشيء أي لزوم الشيء لزوما شديدا، والاقتران قد زاوج بين نهى الناهي واصاختها الى وشي الواشي- أي استماعها [5] . وهذا المعنى متداول ايضا في الاستعمال المعتاد فيقال- لجّ في طلبه، او لجّ الطفل في بكائهِ- أي لزم الالحاح في طلبه لزما شديدًا ولزم البكاء الطفلُ لزوما شديدا أي استمر معه وقتا. ومن امثلة ذلك ايضا قول الشاعر:
(1) أسرار البلاغة، الجرجاني: 3/ 294.
(2) ينظر أسرار البلاغة: الجرجاني:295.
(3) دلائل الاعجاز: الجرجاني:180.
(4) ينظر: دلائل الاعجاز:64.
(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 72.