الصفحة 66 من 384

في المثلين اللذين ذكرهما سيبويه تتوضح الدلالة المركزية من خلال الفهم العام للمعنى الدلالي في الجملة الأولى- إني عبد الله - مأخوذ من العبودية لذلك ذكر سيبويه وصف حال التسمية بـ (مصغرًا نفسه لرّبه) وهذا معنى معروف.

كذلك في الجملة الثانية آكلا كما تاكل العبيد تحمل دلالة معروفة عن حال العبيد من ضعف الحال والاستكانه وهذه دلالتها المركزية المعنوية. وتتوضح ايضا عملية السلوك اللغوية الإضمار - إضمار الأسماء- بعد هذين المثلين للاعتماد على السياق الخارجي المساعد في فهم دلالة الكلام على نحو دقيق مع حالة الإضمار هذه. وقد سمى سيبويه السياق الخارجي، أو غير اللغوي بـ (الخُلْف) . [1]

وعن هذه الحال المشاهدة والإضمار مَثّل لهما ابن جني بقوله: (قولهم لرَجل مُهوٍ بسيف في يده: زيدًا، أي اضرب زيدا، فصارت شهادة الحال بالفعل بدلا من اللفظ به) . [2] فالحال المشاهدة، الهُويُّ بالسيف، حدثُ غير لغوي تعوض عن السياق اللغوي لانه جزء من سياق خارجي اشار اليه اللفظ فاستغني به عن الفعل الناصب إذ كانت له الدلالة نفسها والعمل نفسه. [3]

ومن كل ما سبق تتضح أهمية اكتمال العناصر اللغوية والدلالية من (السياق بنوعيه اللغوي والحالي) والتركيب النحوي والعلامة الاعرابية والنمط الاصلي للجملة العربية لاستنتاج معنى دلالي مركزي متداول الاستعمال، ولايمكن فصل أي من هذه العناصر لصلتها الوثيقة فيما بينهما ولاسيما في الموضوعات النحوية كما سبق.

وقد ذكر ابن جني هذه الدلالة بتسميتها الصناعية ضمن الدلالتين اللفظية والمعنوية قائلا: (والدلالة الصناعية أقوى من المعنوية من قبلُ أنها لم تكن لفظا فأنها صورة يحملها اللفظ، ويخرج عليها ويستقّر على المثال المعتزم، فلمّا كانت كذلك لحقت بحكمة، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به، فدخلا في باب العلوم المشاهدة) . [4]

(1) الكتاب: 2/ 316 - 317.

(2) الخصائص: 1/ 264،284،285.

(3) ينظر: الدلالة عند ابن جني: 167.

(4) الخصائص: ج 1/ 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت