إخفاء وجه التصريح، ودلالة (كنى) عن ذلك، لأنها كيفما تركبت دارت مع تأدية معنى الخفاء. من ذلك كنى عن الشيء يكنى إذا لم يصرح به )) [1] .
وذهب أكثر البلاغيين إلى أن الكناية معدودة في المجاز؛ ومن هؤلاء العلوي [2] ، وأبن الأثير [3] .
وأهمية المعنى الثانوي في أداء المعاني الكنائية يكون في تحقيق الأثر المطلوب منه بما يحمله من تثبيت وتوكيد للمعنى في النفس زيادة على الإيحاء المصاحب لصورته الذي يمكن من تفاعل الإحساس الفني مع المعنى الكنائي الثانوي. قال الجرجاني: (( ليس المعنى إذا قلنا إن الكناية أبلغ من التصريح أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وأكد وأشد ) ) [4] .
فالمعنى الثانوي في الكناية هو تثبيت لصورة المعنى الأول المباشر لها. فغالبًا ما يكون المعنى الأول للكناية معنى مباشرًا لوضع مادي، يؤكد ويعمق معناه بالمعنى الثانوي المعبر عن الحالة المادية الأولى نفسها.
ومن الكنايات القرآنية البليغة قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم} [5] .
ففي قوله (لووا رؤوسهم) أي عطفوها وأمالوها، كناية عن موقفهم النفسي من عرض (الاستغفار) المطروح عليهم، وهو موقف لم تحلله العبارة، بل أومأت إليه وفتحت الطريق نحوه، فالحركة يمكن رؤيتها وتأملها لندرك مغزاها من رفض وكفر واستهزاء بموقف الاستغفار الذي لا يوافق دواخلهم المشركة، فالحركة بمعناها وإيحائها جسدت ذلك ولولا كناية بهذه الحركة لم يتأكد إيماؤها المطلوب فيما لو قيلت بالمعنى المباشر.
(1) مفتاح العلوم: 637، والإيضاح في علوم البلاغة: 183.
(2) الطراز: ج1/ 376.
(3) المثل السائر: ج3/ 180.
(4) دلائل الإعجاز: 57.
(5) المنافقون: 5.