الصفحة 344 من 384

ومن ذلك قول البحتري [1] :

وخولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دارعين وحسر

صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللظى متسعر [2]

فتركيب (( صهب العثانين ) )له دلالة مباشرة على لون شعر اللحية (الأشقر) ، لكن الإشارة الكنائية تتجه إلى المعنى الآخر وهو أنهم من الروم غير المسلمين، فكناية البحتري بهذه الصفة عن الروم كناية بليغة ثبتت قصده.

ويقول الشنفري في وصف امرأة بالعفة [3] :

يبيت بمنجاة عن اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت

قال السكاكي: (( فإنه حين أراد أن يبين عفافها وبراءة ساحتها عن التهمة وكمال نجاتها عن أن تلام من الفجور، قصد إلى نفس النجوة عن اللوم، ثم لما رآها غير مختصة بتلك العفيفة لوجود عفائف من الدنيا كثيرة نسبها إلى بيت يحيط بها تخصيصًا للنجاة عن اللوم بها ) ) [4] . فكناية الشاعر عن نجاة بيتها من اللوم، كناية عن عفة صاحبته. إذ لا يتوجه بالكناية إلى ذات البيت بل إلى ساكنته العفيفة السالمة من اللوم. وهو ما جعل الكناية عن المعنى الثانوي بليغة.

واللازم في الكناية (( كالجزء الحي الملتقط حالة من أحوال الواقع الأصلي، فهو قادر على بعث الفكرة وإحضارها، وإيضاح مقصدها ) ) [5] .

ولإخفاء المعنى في الكناية أغراض أخرى غير توكيد المعنى وتثبيته تسمى (حسن الكناية) وهذا الباب يمكن أن ينظر إليه من خلال فكرة (اللامساس) [6] ، وقد أفاد منه البلاغيون كثيرًا في تلطيف تعابيرهم في مواضع معينة.

(1) ديوانه: ج2/ 984.

(2) الدارع: لابس الدرع في القتال، العثانين جمع عثنون وهو ما يكون من شعر الذقن تحت الفم، والأصهب اللون يميل إلى الشقرة.

(3) المفضليات: 109.

(4) مفتاح العلوم: 637.

(5) التصوير البياني: 365.

(6) ينظر: اللامساس في العربية: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت