الصفحة 337 من 384

وقد رفض القزويني مفهوم التخييل لدى السكاكي لأنه فسر التخييلية (( بما لا تحقق لمعناه حسًا ولا عقلًا، بل هو صورة وهمية محضة كلفظ(اليد) في قول لبيد الذي قالوا فيه بالتخييل )) [1] .

ومن ذلك قول الشاعر:

ولئن نطقت بشكر برك مفصحا ... فلسان حال بالشكاية أنطق

فقد جعل اللسان في استعارته للشكوى عن حاله أنطق من صاحب اللازم وهو (اللسان) الذي به قوام الدلالة في الإنسان )) [2] . فاستعارة لازم الإنسان (اللسان) للشكاية هي الدلالة الثانوية التي أوحت بقدرة اللسان على فعل ذلك على سبيل التخيل الذي شخص اللسان إنسانًا ناطقًا.

ومن ذلك أيضًا قول تميم [3] :

أرى الموت بين النطع والسيف كائنا ... يلاحظني من حيث لا أتلفت

وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت

وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا فوق عينيه مصلت

فقد جعل للموت جسدًا بشريًا يتحرك ويلاحظ ويقتل، ويقف مسيطرًا مصلتًا سيفه، وكل ذلك التشخيص إبراز لقوة الموت، وتمكنه من نفس الإنسان في أي مكان ووقت، حتى كأنه كالقاتل المراقب لقتيله في كل لحظة، فهذه السيطرة الظاهرة مثلت الإضافة الدلالية المستوحاة بفعل التشخيص.

ويشرح أبو القاسم الشابي هذه الفكرة فيقول: (( إن الإنسان الأول حين كان يستعمل الخيال في جملة وتراكيبه لم يكن يفهم منه هذه المعاني الثانوية التي نفهمها منه نحن ولكنه كان يستعمله وهو على ثقة تامة لا يخالجها الريب في أنه قد كان كلاما حقيقيًا ... فهو حيثما يقول -أي الشاعر- مثلًا ماتت الريح، أو أقبل الليل ينفخ فيه من روح الحياة على ما يوافق مشارب الإنسان ) ) [4] . وهذا ما يسميه علماء النفس

(1) ينظر: التلخيص في علوم البلاغة: 231.

(2) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة: 177.

(3) العمدة: ج1/ 193.

(4) الخيال الشعري عند العرب: 19 - 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت