الصفحة 336 من 384

عليه بالجيد من الأفعال، أو الأقوال؟، وفي الحديث حمل للمؤمن على الحذر وانتباه من شرهم، وهذا المراد من إثبات لازم الدلالة الثانوية للاستعارة في الحديث الشريف.

ويحدد الجرجاني مفهومًا للخيال، أو (المعنى التخيلي) بمعنى الدلالة الثانوية في الاستعارة المكنية التخيلية) فيرى أنه: (( الذي لا يمكن أن يقال إنه صدق وإن ما أثبته ثابت وما نفاه منفي فمنه ما يجيء وقد غشى رونقًا من الصدق واستعين عليه بالرفق والحذق، حتى أعطي شبهًا من الحق -تلميحًا لقوة الملاءمة في المعنى المتخيل- باحتجاج تحمل وقياس فيه تصنع وتعمل، ومثاله قول أبي تمام:

لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي

فيقول معلقًا عليه: (( قد خيل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفًا بالعلو وكان الغنى كالغيث في حاجة الخلق إليه، وجب بالقياس أن ينزل عن الكريم نزول ذلك السل عن الطود العظيم ومعلوما أنه قياس تخييل وإيهام ) ) [1] . فتجسيد معنى الكرم بـ (السيل من المكان العالي) إشارة إلى أن تخيله يقوم بالقياس بين الاثنين خياليًا أيضًا. وهذا يدل على أنهم ربطوا الخيال والوصول لكنه المعنى الثانوي بالتجسيد أو التشخيص للمعاني الحسية -عودة منهم للصورة البصرية في معاني الأشياء- وقد خلط معه الإيهام لأن كلا منهما كان يحل محل الآخر. وذلك ما اتضح في تحليلهم للأمثلة الشعرية.

على أن السكاكي حاول التفرقة بين الخيال والوهم في تحليل المعنى الدلالي الجمع بين الدلالة الثانوية والمعنى المقصود وكانت تفرقة غير واضحة، قال السكاكي: (( الوهمي: هو أن يكون بين تصوراتهما شبه تماثل ... فإن الوهم يحتال في أن يبرزهما في معرض المثلين ... ، أو شبه تضاد فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتاضيفين فيجد في الجمع بينهما في الذهن ... وأما الخيالي، فهو ... أن يكون بين تصورهما تقارن في الخيال -إشارة للحسيات أو المعاني العامة المعروفة- يثبت فيه على نحو ما يتأدى إليه ويتكرر لديه ) ) [2] .

(1) أسرار البلاغة: 231.

(2) مفتاح العلوم: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت