من ذلك أيضًا استحسان أبن سنان لقول الشريف الرضي:-
رسا النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراضة الهمع
فهو عنده (( من أحسن الاستعارات وأليقها لأن المزن تحمل الماء، وإذا هملت وضعته، فاستعارة الحمل لها والوضع المعروفين من أقرب شيء وأشبهه.
وكذلك قوله جنين النبت لأن الجنين المستور مأخوذ من الجنة وإذا كان النبت مستورًا، والغيث يسقيه كان ذلك بمنزلة الرضاع، وكانت هذه الاستعارات من أقرب ما يقال وأليقه )) [1] .
ويتقبل حمل الاستعارة على التشبيه في تغير المعاني، لكن لا يقبل أن يمنح الدلالة الثانوية التي لأجلها تغير التعبير من المباشرة إلى الاستعارة التي يتغير معها دافع التعبير من مجرد تقريب المعنى على التشبيه إلى صورة الحامل التي تضع، ثم ترضع صغيرها مجسدًا فيها صورة السحب المحملة بالماء التي تهمله على صغير النبت مع ما فيها من إيحاء الأم الرؤوم.
إن هناك حدودًا في عملية النقل من شيء إلى شيء، وإن الاستعارة شيء محدد قائم على استبدال يدرك أصله المأخوذ منه، وبتمسكهم بها من خلال تحليل الاستعارة على قاعدة التشبيه الصريح المنطقية يحددون حتى غاية المستعير في غرضه وبعد خياله، فعبد القاهر يؤكد أن الاستعارة (( ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب وتدركه العقول ) ) [2] .
وهذا النوع من الاستعارة التي تكون فيها الدلالة الثانوية قليل، من حيث الخيال قريبة الوضوح في معناها وسموها بـ (( القريب المختار ) )وهو (( ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه واضح ) ) [3] أو بـ (الاستعارة القريبة) عند أبن
(1) سر الفصاحة: 116 - 117.
(2) أسرار البلاغة: 15.
(3) العمدة: ج1/ 269.