ومن المعلوم أنه من غير الممكن استعارة معنى لفظ معين للتعبير عنه دون استعارة أسمه أيضًا، وإن كان المقصود المعنى -وهذا ما تبين في أول عبارات تعريف الاستعارة مثل (تعليق العبارة) ، أو (نقل اللفظ) - فالمعنى واللفظ متلازمان ما يدل على أن للفظ المستعار (المعنى) أهمية بقدر معناه، فذكر المعنى بلفظه الدال عليه (صوتيًا) يؤثر في تحقيق الغرض، وتحديد ظروفه السياقية واستشفاف الإيحاء المصاحب له. وذلك ما يقصد به من أن الكلمات نفسها ذات معنى لكن قوة المشاعر المتضمنة فيها -وهي صاحبة الأثر الفعال في تحديد الدلالة الثانوية- لا يمكن معرفتها إلا من خلال السياقات التي استعيرت لها وذلك بفعل قوة التزايد الدلالي.
وقد عرفها الجرجاني بقوله: (( الاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه تظهره وتجيء إلى اسم المشبه به، فتعيره المشبه وتجربه عليه، ... كان تقول رأيت أسدًا تريد وصف رجل كالأسد في شجاعته، وضرب آخر منها وهو ما كان نحو قوله: (( إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ) )هذا الضرب وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حين يذكرون الاستعارة، فليسا سواء، وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء له، وفي الثاني تجعل الشيء الشيء ليس له )) [1] .
وفي الضرب الثاني من الاستعارة يتأكد دورها في إثبات المعنى، وهذا ما أشار إليه الجرجاني بقوله: (جعل الشيء الشيء) إثبات المستعار للمستعار على جهة القطع والتأكيد، إذ يقول: (( وأما الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة أنك إذا قلت، رأيت أسدًا، كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول ) ) [2] .
ويعرف السكاكي الاستعارة بقوله: (( أن تذكر أحد طرفي التشبيه، وتريد به الطرف الآخر. مدعيًا دخول المشبه في جنس المشبه به، دالا على ذلك بإثباتك
(1) دلائل الإعجاز: 53.
(2) دلائل الإعجاز: 111.