ومن هنا يجد الخيال الفني مجالًا لإظهار ما في أذهان الشعراء، والأدباء من مقدرة تعبيرية تستوعب القدر الممكن من المعاني الذهنية التي يؤد التعبير عنها تمحها إمكانية التصرف في المواضعات بما يلائم الغرض وبذلك ستكون القيمة الفنية للاستعارة ترتد إلى طريقتها في تأليف العبارة، ودقة تأويلها المتولدة منه المعاني الجديدة.
وقد أتضح ذلك من تعريفها عند البلاغيين، قال العلوي في تعريفه المختار بالاستعارة: (( أن يقال تصييرك الشيء الشيء وليس به، وجعلك الشيء للشيء، وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكمًا ) ) [1] وتعريفه يشير إلى دقة تمعنه في فكرة الاستعارة فمنح معنى اللفظ فيها إلى لفظ آخر وقتي محدد بلحظة الاستعمال ومناسبتها فكأنما يتجسد فيها المعنى المستعار بالاسم المستعار أيضًا. لذلك قال: (( بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكمًا ) )أي أن صورته مستقلة غير منقولة عن شبه وإنما عن تحقيق للمعنى نفسه لعلاقة تلاؤمية بين المستعار، والمستعار له التي سماها العلوي بـ (( التعارف ) ) (( إنك لا تستعير أحد اللفظين للآخر إلا بواسطة التعارف الذي بينهما، كما أن أحد الشخصين لا يستعير من الآخر إلا بواسطة المعرفة بينهما ) ) [2] .
وحين يستعار المعنى للمستعار له تكون هذه هي الدلالة الثانوية في الاستعارة فالمستعار له يملك معنى أصليًا يراد إبرازه على نحو جديد، فيستعار له معنى من لفظة أخرى يكون أصليًا فيها، وثانويًا إلى استعماله. لأنه يشكل صفة من صفاته، أو حالة من حالاته متلائمة مع المعنى المراد إبرازه في المستعار له.
أما أبن رشيق [3] وأبن سنان [4] فقد نقلا تعريف الرماني بالاستعارة بأنها: (( تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة ) ).
(1) الطراز: ج1/ 202.
(2) الطراز: ج1/ 200، وينظر المثل السائر: ج1/ 77.
(3) العمدة: ج1/ 182.
(4) سر الفصاحة: 110.