نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء فأدخل يده في الماء وقال: (( أنظر هل حصل في كفي من الماء شيء فكذلك أنت أمرك. كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون الفعل ) ) [1] .
إن التعبير عن ذلك يتولاه الأديب بالصياغة الفنية لمزج المشبه بالمشبه به في حالة تمثيلية يختفي وراءها تفوق أحد الطرفين على الآخر مقدمًا خلقًا لصورة تمثيلية معبرة عن المعنى المطلوب بالتأويل العقلي المغني عن استحضار حالة التمثيل الحقيقي.
كما في قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد [2]
فالتشبيه التمثيلي الضعني في هذين البيتين قائم على ما يتركه الانطباع النفسي المفسر بالمشاهدة العينية من أثر في المعنى، (فالحالة المتجددة) للشيء وقد تمثل بالشمس في بيت أبي تمام- رأها الشاعر في ظهور الشمس وغيابها، ففسر هذا الغياب بالتجدد في طبيعتها ما جعل حسب الناس إليها يزيد لغيابها، ليلًا وأشار إلى معنى آخر فيها هو الزوال. وهذا كله سخره الشاعر في التعبير عن حالة التجدد النفسي التي يحتاج اليها الإنسان بالسفر والاغتراب كي لا يقدم وينطوي على نفسه. وتلك هي الدلالة الثانوية التي ارتبط فيها المعنى النفسي بالحالة التمثيلية قولًا وفعلًا.
وكان تعليق الجرجاني على بيتي أبي تمام: (( إن هذا التجدد لا معنى له إن كانت الرؤية لا تفيد أنسًا من حيث هي رؤية، وكان الأنس لتقيها الشك والريب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من قبل ) ) [3] . فالرؤية والأمر الزائد هي ما تأول في الذهن للحصول على المعنى المقصود.
(1) أسرار البلاغة: 98. والإيضاح في علوم البلاغة: 122 - 123.
(2) أسرار البلاغة: 97 - 98. والإيضاح في علوم البلاغة: 122.
(3) أسرار البلاغة: 98.