أو الحال للمعنى المعنوي في الطرف الأول (المشبه) . لأن (( الاشتراك في الصفة يقع مرة في نفسها وحقيقة جنسها، ومرة في حكم لها. وهذا ما أوجب انقسام التشبيه عن التمثيل ) ) [1] .
فالخد يشارك الورد في الحمرة نفسها والحمرة موجودة حقيقة في الطرفين، فهي تشبيه أما حين تقول (( ألفاظ كالعسل في الحلاوة ) ). فالحلاوة ملازمة للعسل بطبيعته أما الحلاوة في اللفظ هي حكم وقع على اللفظ لأمر يقتضيه. فهو تمثيل.
فمن أمثلة ذلك قولهم: (( يضرب في حديد بارد وينفخ في غير فحم ) ) [2] .
فهذا المثل حمل من الدلالات الثانوية ما يكفي لأن يفهم منها حركة من يطلب شيئًا ولا يناله ويبذل جهدًا، ولا يحصل منه على شيء، فحقيقة الأمر أن الحديد البارد لا يمكن أن يعمل منه شيء لتصلبه، كذلك النفخ في غير فحم موقود فهو بارد لا تأتي نار فيه، فكلا الأمرين لا ترجى منهما فائدة.
ومن ذلك أيضًا: قول المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًا به الماء الزلالا
قال الجرجاني: (( ولم يسلك بالمعنى الظاهر من العبارة، بل بالتمثيل. إن الجاهل الفاسد الطبع يتصور المعنى يغير صورته ويخيل إليه في الصواب أنه خطأ وفي الجيد أنه سيئ ) ) [3] .
فتمثيل الشاعر دقيق فالمرارة جعلها في الفم. أي منسوبة إلى الشخص فما سيدخل في فمه سيجده مرًا لأن المرارة ليس في الشيء، بل في الفم ولكن الحكم اقتضى مرارة الماء تمثيلًا لسوء طبع الشخص وسوء نظرته.
وأشار عبد القاهر إلى أهمية الدلالة الثانوية المتأتية من التمثيل الحسي للمعنى المطلوب وإثارتها للإيحاء النفسي الذي يركز المعنى في الذهن ويسميها بـ (( التأثير الزائد ) ). إذ يقول: (( إن ما تقتضيه الرؤية للموصوف على ما وصف عليه من الحالة، مع العلم بصدق الصفة. يبين ذلك أنه لو كان الرجل مثلاُ على طرف
(1) أسرار البلاغة: 70.
(2) المصدر نفسه: 83.
(3) المصدر نفسه: 100.