وصف الشاعر ممدوحه بالكرم والوفاء بقربه منه أو ببعده وإظهاره لكرمه ومحبته المتأصلة في نفسه تجاه القائل مشبهًا إيه بالغيث الذي يعطي في أول نزوله أفضل مطرة.
حدده الشاعر بأول الريق على سبيل التفضيل. ويزيد من عطائه بعد ذلك طلبًا لمحنته حتى إن غاب عنه. وترك ذلك روجه الشبه هذا أفضل من ذكره لأن متلقي هذه المعاني بذائقته الفنية، ورهافة المعاني المضافة يجد وجه الشبه متناسقًا مع تصوره لو ذكره.
ولقد آخذ الدكتور (رجاء عيد) منحى البلاغيين في جعل التشبيه البليغ يستند إلى الذهن، أو العقل في استخلاص صورته فهو يقول: (( إن السيد المسيطر هو العقل ومحاولة إرضائه بتجميع المتفرق عن طريق الرؤية البصرية، أو الجسمية أمر مطلوب ولو خالف ذلك الواقع النفسي، أو الواقع المشاهد ) ) [1] . ويقول أيضًا: (( كل ما في التشبيه في رأينا من جمال(إن وجد) يقوم على عقد مقارنات ذهنية متوهمة تكون الصورة البصرية عمادها )) [2] . وقال أيضًا: (( لقد أصبح مجرد(تأليف المتباينين) كما يعبر (( عبد القاهر ) )هو قمة البراعة الفنية ولكن ذلك لا يزيد من كونه محاولة اختصار ردئ لكينونة الأشياء المتمايزة )) [3] .
ومن صور التشبيه المتطورة التي أشار إلى معانيها البلاغيون في الدلالات الثواني (( التشبيه التمثيلي ) )وقد قرروا في شأنه أنه يظهر الغامض من المعنى إلى حيز الوضوح تمثيلًا وأنه يحتاج إلى التأويل في فهم معانيه إلا أنه يختلف في طريق عرضه، ففيه يدرك المعنى من خلال الأفعال والحركات التي لا تراها بوساطة الكلمة، وإنما تراها وهي تقع أحداثًا حية في الوجود فتكون (كالقصة الممثلة والرواية المشاهدة) [4] . وهذه الطريقة في العرض أعلى بلاغة وأقدر تأثيرًا في ذهن المتلقي بوساطة الإضافات المعنوية الموجودة في الصورة التمثيلية.
(1) فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور: 247.
(2) المصدر نفسه: 248.
(3) المصدر نفسه: 248.
(4) التصوير البياني: 130.