الصفحة 320 من 384

بشيء قريب أضفى إيحاء شاعريًا في تأمل هذه الصورة بذلك المعنى الإضافي لأن التشبيه يشر إلى وقت الليل الذي تظهر فيه أجرام السماء وهي كواكبها ونجومها.

ومن صور التشبيهات الخفية البعد المعنوي، ما زداد فيها تباعد المشبه عن المشبه به لأنها مستمدة من مآخذ دقيقة وبعيدة [1] ، كقول بعضهم:

كأن انصياع البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوعه

فالتشبيه بين الطرفين المحسوس والمعنوي بعيد في البيت، إلا أن تناسب الجمع بينهما أوجد فنية وجه الشبه اللطيف في بيان انكشاف البدر وخروجه من الغيوم كالتخلص من الشدة.

وتسمى مثل هذه التشبيهات بـ (( التشبيهات الغريبة والبعيدة ) )عند أكثر البلاغيين إذ تمنح الخيال فرصة لتأويل، وتوليد المعاني، وتأليف الصور. وعبر عنها الجرجاني بـ (( الملائمة والتأليف السوي ) ) [2] . قال السكاكي: (( أن يكون المشبه به بعيد التشبيه عن المشبه كالخنفساء عن الإنسان قبل تشبيه أحدهما بالآخر في اللجاج ) ) [3] . وقال القزويني: (( البعيد الغريب وهو نما لا ينتقل فيه المشبه إلى المشبه به إلا بعد فكر لخفاء وجهه في بادئ الرأي. وسبب خفائه إما ندور حضور المشبه به في الذهن عند حضور المشبه لبعد لمناسبة بينهما كما تقدم من تشبيه البنفسج بنار الكبريت ... . وغيره من الأمثلة ) ) [4] .

وفيه: (( تتحد الصورة بطرفيها المفرد والمتعدد حتى توضع وضعًا واحدًا فتكون النمط العالي والباب الأعظم ) ) [5] .

ورؤية البلاغيين وتحديد وجهة نظرهم فيه جاءت عن علم ودراية عمليين، فليس مجرد بعد طرفي التشبيه عن بعضهما، أو غرابته، أو ندرته هو سر البلاغة فيه، بل صحة الوجه الجامع الملتقط من الطرفين وقابلية خلق تأليفهما من جديد

(1) الطراز: ج1/ 281.

(2) أسرار البلاغة: ج1/ 278.

(3) مفتاح العلوم: 581.

(4) الإيضاح في علوم البلاغة: 144.

(5) دلائل الإعجاز: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت