وقد يكون المشبه به بعيد النسبة عن المشبه (( وحسن التشبيه أن يقرب بين البعيدين حتى تصير بينهما مناسبة واشتراك ) ) [1] .
وقال الجرجاني: (( والذي يدق ويلطف، في أن يجمع أعناق المتنافرات المتباينات في ربقه، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة ... وذلك يبين لك فيما تراه من الصناعات، وسائر الأعمال التي تنسب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافًا في الشكل والهيئة، ثم كان التلائم بينها مع ذلك أتم، والائتلاف أبين كان شأنها أعجب، والحق لمصورها واجب ) ) [2] .
من ذلك قول أبن الرومي [3] :
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن ... أوائل النار في أطراف كبريت
فقد شبه الشاعر الحجر لنفيس (اللازورد) الأزرق اللون بزهر البنفسج للمقاربة اللونية ثم شبهه بلون النار الهادئة مع احمرار الكبريت في الأطراف.
فبجمعه شتات هذه الأشياء المتباعدة طوى دلالات متعددة لتحقيق الحس الجمالي لصورة متلائمة الأجزاء. فحضور النار والكبريت بعيد عن حديث البنفسج والرياض، كما يندر حضورها مجتمعة في الذهن ما يحمل على استطرافها [4] .
ومن أمثلة [5] ذلك أيضًا قول الشاعر:
وكأن أجرام السماء لوامعًا ... درر نثرن على بساط أزرق
في هذا البيت وأن كان كلا طرفيه ممكن رؤيته إلا أن فكرة الدرر المنثورة لبريقها ولمعانها كالنجوم على البساط الأزرق مقابل السماء هي الفكرة التخيلية لبعد ما بين هذا التخيل وحقيقة وقوع السماء والنجوم، والتخيل لصورة السماء ونجومها
(1) العمدة: ج1/ 289.
(2) أسرار البلاغة: ج1/ 275.
(3) ديوانه: ج1/ 394. اللازوردية: البنفسجية نسبة إلى اللازورد، وهو حجر نفيس يشبه البنفسج في اللون.
(4) ينظر: مفتاح العلوم: 569.
(5) الطراز: ج1/ 281.