ووجه الشبه عقلي في التشبيه مستحصل من طرفي التشبيه على أدنى حد بحسب اشتراط البلاغيين لذلك يرد من دون ذكر الأداة الضرورية في التشبيه الصريح فهي تمثل العلامة المادية الفاصلة لمنع الانتقال المعنوي تذكر القارئ بأن (( اقتران الطرفين إنما هو أمر يعتمد على المسامحة والاصطلاح لا على الحقيقة ) ) [1] .
ويمكن أن تقول إن الدلالة الإضافية ستكون في هذه الحالة كأنها أداة التشبيه مع تماسك أجزاء الصورة البيهية. لذلك يطلق عليه (المؤكد) أيضًا لحذف الأداة منه فهو مؤكد بمعناه البليغ.
ومن ذلك قول الفرزدق يهجو جريرًا [2] :
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حين تناطح البحران
فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع البحرين لا يؤثر، فهجاؤه هؤلاء القوم لا يؤثر شيئًا.
ويرد التشبيه البليغ لدى الجرجاني في القسم الثاني من التشبيهات لديه وقال فيه (( الشبه الحاصل بضرب من التأويل ) )وهو قسمان: (( ما يقرب مأخذه ) )و (( ما يدق ويغمض ) ) [3] . ويفضل الجرجاني القسم الأخر لأنه يحتاج (( من دقة الفكر، ولف النظر، ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إليه غيره ) ) [4] .
وفيه يتمكن الأديب من تشخيص المعاني، وتجسيد المشاعر، والخواطر ما يكسبها قوة ويضاعفها من تأثيرها في النفس، وأن طول التمعن في استشفاف المقصود من المعاني الثواني في هذا التشبيه أدعى إلى بقائها في النفس، وتركزها في الذهن وبذلك كله تستحق الدرجة البليغة.
(1) ينظر: العمدة: ج1/ 268.
(2) المثل السائر: ج2/ 120.
(3) أسرار البلاغة: ج1/ 194.
(4) أسرار البلاغة: ج1/ 275.